تتمة المنشور في الصفحة ٤
تتمة المنشور في الصفحة ١١
إذ تقبلوا تعانق أو تدبروا نفارق؟ فإذا بالدماء تغلي في عروق الرجال، وإذا بالفار يكرّ وبالمنكسر ينتصر.
ألست تراها تهدهد طفلها في المهد فتوحي اليه العظمة وهي تغني له: انت تكون ماجداً نبيلاً اذا تهبّ شمالٌ بليل انها تفهمه رسالته في الحياة قبل ان يفتح عينيه للنور. رسالة المجد والنبل ...
ألست تراها ترسله ليرعى الابل في الثامنة من عمره فيسير وهو يردّد على وقع خطواتها: البل حلو لبنها البل وراها اهلها ولقد يفاجئه الغزاة فيسوقون الابل غنيمة باردة والصغير لا يستطيع شيئاً. ويسرع الى الحي ولكنه لا يدخل على امه باكياً قائلاً: لقد اخذوا الابل مني - بل يقف باطراف الحي منادياً: «البل يا للنشامى». ويهبّ النشامى شباب القبيلة هبّة رجل واحد ويسيرون خلف الصغير وهو يدلّهم على المكان الذي فاجأه الغزاة فيه، والناحية التي ساروا في اتجاهها. وماهي الا ساعة واخرى، حتى تردّ الابل، وينال المعتدي جزاءه، وتعود القبيلة، والابل امامها، والصغير يحدو على وقع خطواتها من جديد، حداءه المليء بالعزم والثقة بالنفس، الحداء الذي علمته اياه امه: الابل وراها اهلها.
اجل ان للغناء وحيه. فلقد يوحي انقى الافكار ولقد يوحي اقذرها.. يوحي الاقدام او الاحجام، الاباء او الذل، الانفة او الخنوع. فما الذي اوحينا به الى اطفالنا؟
انهم يعلّمون النشء في المدارس ان ينشد الاناشيد الوطنية الرائعة. فماذا فعل البيت، المدرسة الاولى؟ ترى هل رددنا على مسامع اطفالنا الاغاني المائعة المهلهلة فرددوها بعدنا فخلقنا منهم جيلاً، نفوسه خائرة، وهممه فاترة؟ جيلاً لا نفع منه لوطنه ولا لمجتمعه ولا لنفسه؟.. اترانا جعلنا من منازلنا ملاهي تردد فيها الاغاني الفاسدة، ام اننا ابتدأنا نغرس من المهد العظمة في النفوس؟
كل اهتمامه وكل عواطفه، وآمن بنفسه فعرف مقدرته - انه يخرج لوحات فيها صدق في التعبير واخلاص في العمل وعمق في الشعور، كما يبدو ذلك جلياً في اللوحة (رقم ٣٦) «غادة الفراء» و«الباريسية» (رقم ٣٨) و«مطالعة» (رقم ٤٥) بالرغم من ان في هذه الاخيرة بعض الضعف في التركيب (كوجود عدد من الكتب الضخمة المشاجة في اللون والشكل والحجم، الى جانب القارئة الصغيرة).
وكأن الفن عند الجميل نوع من الكماليات لا مبدأ يعمل به وله مضحياً بكل شيء في سبيله!
لقد حان الوقت دون شك للتحدث عن ذروة الفن اللبناني في تصوير المناظر الطبيعية، والتلوين بالالوان المائية. فعمر الانسي واحد من الذين يحق للبنان ان يفخر بهم بين الفنانين العالميين، انه مزيج من شعور «كورو» الرفيق، وذوق «سيزان» وقوته العملية وقدرته في التركيب.
يملك الانسي عاطفة الشاعر الملهم - ولعله ورث ذلك عن آبائه - ومعرفة صادقة لفن التركيب واختيار المواضيع التي لا يخفق في اخراجها. واول ما يلفت النظر فيه هو ايمانه التام بما يعمل، فهو يصور كل شيء بالاسلوب نفسه، فلا فرق عنده بين زهرة او منظر طبيعي او شخص، الكل يعبر تعبيراً صادقاً عن دقة حواسه واخلاصه لشعوره الخاص.
ورسمه يرتكز على اللون اكثر منه على الشكل. وهو مثالي يسمو بموضوعه على الواقع فيهذبه ويطهره ويجعل اثره وجماله قيماً من اللون والتركيب والانسجام، ويركز قوته في الشكل الفني العام لا في الاشكال الجزئية واحكام النقل ولا في المواضيع الدرامانية والاسماء العاطفية المختارة - «كلمي» و«ارزة لامرتين» و«تلفون» (Coup de Téléphone).
بين لوحات الانسي المعروضة لوحات جديرة بالاهتمام والتقدير المطلق، حاق فيها في فن تصوير المناظر الطبيعية الى درجات بعيدة عن متناول الفنانين اللبنانيين الآخرين - في نفس المواضيع - احياءً وامواتاً.
ويكفي ان انت النظر الى اللوحات (رقم ١، ٢، ٦، ١١، ١٤، ١٧، ٢٣) وغيرها حيث الالوان منسجمة والتركيب محكم مترابط وحيث لكل لوحة جوها الخاص الذي يشعرك بالهواء، وبرودته في بعضها او حرارته وجفافه في البعض الآخر.
وانصح القارئ، إن اراد ان يفهم اعمال الانسي فيها صادقاً ان ينظر اليها بشعوره وعواطفه لا بعقله وعينيه، وان يتجرد بها عن واقع الشكل الخارجي، والا فقد الناحية القيّمة فيها.
انني اتعبت القارئ دون شك بهذا العرض الطويل في رأيه والقصير جداً في رأيي، لانه موضوع قلّما يطرق، قلّما يطرق باخلاص وتجرد. وبعد فكل الاحكام في هذا المقال ترتكز على اللوحات التي عرضت فقط، اذ قد يكون هنالك لوحات غيرها خير منها واعظم، الا انني معذور، والقارئ معذور ايضاً، اذا لم نهتم بها ونأخذ بما فيها.

٤٨