
في لبنان أديبات؟ هكذا يتساءلون: فكأنني بهم يضربون التأكيد بأن في لبنان أدباء، فلماذا لا يكون فيه، يا للشناعة، أديبات!
ونحن هنا لا نتوخى الرد على هذا التساؤل، ولا على ما جرّه هذا التساؤل، في الزميلة «كل شيء» من تعرض لصوت المرأة بالإطراء من جانب، وبتشويه الواقع «حسابياً» من جانب آخر. بل نحن هنا نتوخى التعليق على هذا التساؤل بتساؤل مثله: هل في لبنان أدباء؟
أجل! هل في لبنان، حاضراً، أدباء؟ نعني أدباء حقيقيين قد تمرسوا بصناعة الأدب، وانصرفوا بكليتهم إليها، وتثقفوا بفنونها الرفيعة، وتعمقوا في دراسة آثارها الخالدة، وانبروا ينتجون من فيض قرائحهم نتاجاً يساهم، ولو من بعيد، في مفاخر الفكر والروح...
أدباء حقيقيين نعني: لا منشئين يدور على معانيهم الباهتة اللفظ المشرق؛ ولا صحافيين يقف القول على أبوابهم في ذل السؤال؛ ولا متشدقين يرمون وجوهنا بالفتات واعدينا بالمآدب السخية في «سوف» من الأيام؛ ولا بهلوانيين يمشون أمامنا على الحبل، ويرقصون السعادين، ويخرجون الفيران من أكمام سترتهم السوداء؛ ولا مذهبيين يتأدبون في السياسة ويتسيسون في الأدب.
أدباء حقيقيين نعني: يعالجون مشاكل النفس البشرية كما تنعكس في شخصيتهم، وفي أمتهم، وفي العالم كله؛ وينفلتون في القول البليغ من حدود الموضوعات الهزيلات المطروقات، إلى ما عمق وغاص في خضم الكيان الإنساني - هذا الكيان الرحب بما فيه من قلق وانهيام وألم ويأس وفرح وأمل وحب وبغض، وبما ينطوي عليه من تفجر وخلق وتمرّد.
أدباء حقيقيين نعني: فأين هم في لبنان اليوم؟ أيستطيع هذا الذي يزعم أن ليس في لبنان أديبات، أن يدلني على أكثر من أديبين أو ثلاثة في لبنان حق لنا، مع التساهل، أن نحسبهم كذلك؟
لقد كان لنا أديب في أمين نخلة، فما لبث أن انزلق في مهواة السياسة وما تجرّه السياسة من شؤون؛ وكان لنا أديب في صلاح لبكي فانزلق هو كذلك في المهواة؛ وكان لنا في الإمكان أدباء في توفيق عواد، وخليل تقي الدين وسعيد عقل، وغيرهم من أصحاب المحاولات في القصة والمسرحية والفنون الأدبية البنائية الأخرى، فإذا بنا نراهم ينغلبون على أمرهم في معترك التسييس والتوظف والانصراف وراء ما لم ينطبعوا عليه من مواهب...
لا، ليس في لبنان أدباء. فإذا كان فيه البستاني، ونعيمة، ومارون عبود، فهو قليل. ولبنان، كما نعلم، قيم منذ فجر النهضة على الحركة الأدبية في المشرق العربي. فإذا شاء أن يظل، ينبغي له أن يعي الحال التي هو فيها، فيعمد إلى النهوض بها ورفع مستواها.
وبعد، فإذا كان البعض يتساءلون عما إذا كان في لبنان أديبات، فأحر بهم أن يتساءلوا عما إذا كان فيه أدباء وعندئذ، ولا ريب، يخفضون جناح المسكنة والعار.
