وكان ان ضفرنا اكليل الغار على جبين قل بين الجباه في هذا البلد مثيله ، جبين مشرق نبيل لم ترده السنون المثخنة بعناء الجهاد الا اشراقاً ونبلاً ، جبين قد ارتفع الى العزة يوم كانت جباه الكثرة من نساء هذا البلد ورجاله تنخفض الى الهوان ، جبين فتاة فتحت على عقلها وقلبها نوافذ المعرفة ، ومربية صقلت للجيل الطالع ركائزه وزواياه ، وادبية نفخت روحها المبدعة في الحرف العربي فاحيته بعد اجيال من الموات، وصحافية شقت امام الصحافة النسائية مجال الفتح والتجديد ، ومجاهدة دقت بشائر النهضة النسائية تحت السماء العربية ، وزوجة انشأت في المجتمع أسرة مثالية تشعّبت بدورها الى أسر مثالية أيضاً كان لها أينما حلّت فضل القدوة الحسنة والنحو الرفيع .
اجل ، لقد ضفرنا اكليل الغار ، ولم يكن هذا الاكليل وساماً مذهباً تهيأ للحكومة اللبنانية أن تقلّد به صدر السيدة جوليا طعمه دمشقيه ، في حفلة عائلية دعا اليها الاتحاد النسائي اللبناني العربي ، وتنادى لحضورها من لبنان والشام عاملات في الحقل النسائي كريمات ؛ بل كان هذا الاكليل الذي ضفرناه نفحاً ذكياً من القول ، ضاق عن التعبير عنه مجال الكلمات ، فانفلت حراً من كل قيد ، يضمّخ الجوّ بعبير الود الصادق الحميم . وتالله ! كيف لا يضيق مجال الكلمات في التعبير عن قول يتناول ما تعكسه شخصية جوليا دمشقية من معاني الرفعة والجلال .
ولقد كان حرص «صوت المرأة» شديداً على ان ينتظم هذا القول وينسجم في وحدة مستقلة عن سواها من جوامع الكلم ، فاصدرته في ملحق لهذا العدد ، ونحن على يقين بان قارئاتنا
سيجدن فيه هدية ترقى بغرضها فوق كل هدية ، فيتقبلنها بترحاب ، ويطالعنها بشغف ، ويجدن فيما ألمحت اليه عن جهاد جوليا دمشقيه ونواحي شخصيتها الفذّة مثالاً يجيب بهنّ الى الاقتداء به وترسم خطاه .
أجل ! لقد ضفرنا اكليل الغار ، فيا لعمري ، أين من اكليلنا هذا ، ذلك الوسام على الرغم مما يرمز اليه من تقدير . اكليلنا هذا حبات من قلوبنا حبكناها عرفاناً للجميل ، واعترافاً بالفضل ، واظهاراً للمحبة .. اكليلنا هذا ، ما أومأ قطّ الى الاطراء ، فجوليا طعمه دمشقيه قد سمت فوق حدود الاطراء الى مرتبة الامثولة ومرقى الرمز : الامثولة تلك ، التي بها تتجسد الفكر السامية وتحيا مع الانسان ولاجل الانسان ، والرمز ذاك ، الذي به تندفع
العقول والقلوب الى مواطن الخير والحب والجمال .
فاهنئي ، يا سيدتي ، وحدك باكليلنا ؛ ودعينا نهنأ معك بوسامك . فما هذا التقدير الذي يعبر عنه هذا الوسام ، الا تقديراً للامثولة التي كنتها لنا وللرمز الذي صرته لاجلنا ؛ فحق لنا ، اذن ، ان نهنأ معك به ، ونشاركك في تقديم الشكر عليه .
وليس لنا ، بعدُ ، الا ان ندعو الى الله بان يحفظك لنا بخير ، لكي تظل عينك ساهرة على هذه النهضة التي حملت لواءها ، وغذيتها بكل خفقة من خفقات قلبك الكبير ، وبكل فكرة من افكارك الرشيدة ، وبكل عاطفة من عواطفك النبيلة .
...وَضَفَرْنَا اكْلِيلَ الغَارِ!

