خواطر ...

كترين منسفيلد ! من عرف هذه الساحرة واستطاع بعد ذلك ان يتفلت من فعل جاذبيتها فيه ؟ ميزتها - وما اكثر ما لها من ميزات - انها لا تسعى اليك لتفرض نفسها عليك فرضاً يخوّلها حق التدخل بما لا يعنيها من شؤونك وخصائصك ! بل تحملك انت على السعي اليها كما يسعى المرء الى نعم الحياة ليجني منها ما قد يتيسر له من لذة ومتاع .
وطابعها الخاص هو اسلوبها - ذلك الاسلوب الذي يجري عذباً صافياً لا تعقيد فيه ؛ كما ينساب الماء من بين اخاديد الجبال ومنعطفات الاودية عذباً سلسبيلاً دون التواء او تلكؤ . فعقد الحياة تلين وتنبسط من خلال هذا الاسلوب ؛ والطبيعة البشرية - خاصة طبيعة المرأة ، تجلّى بشتى متناقضاتها والوان غموضها الى حد يخيّل اليك معه ان سر النفس الانسانية الذي كان ادراكه يبدو لك مستحيلاً ، قد حُلّ لغزه وانكشف .
براعتها في انها في شتى قصصها ، تجيد ربط البداية بالنهاية ، وتجد او تكتشف الصلة بين مختلف اصوات الحياة ... فغالباً ما تكون نهاية الحدث المفرحة في قصصها ، نهاية مفجعة ؛ وكثيراً ما تكون الخيبة هي خاتمة الامل القوي ... وليست هذه الظاهرة البارزة في قصصها صادرة عن طبع متشائم ؛ انما ترجع الى طبيعة نفسها الشفافة المتصوفة التي بلغت من الرقة حداً ارتفع عنده كل حاجز
بينها وبين الحياة .
ولا تأمل ان كنت من محبي الضخامة في اللفظ والمعنى ان تفوز بها عند هذه الكاتبة . فهي امرأة قبل ان تكون كاتبة - وشخصية الكاتبة فيها تنعكس ابداً من خلالها شخصية المرأة بطابعها وخصائصها ومميزاتها - وهنا سر عظمة هذه الكاتبة .
فكترين منسفيلد تبلغ « الكل » من معنى الحياة من خلال جزئياتها . ولم تحاول مرة في شتى ما كتبت من قصص ، ان تتصدى الى « الكل » بمجموعه لتصل الى الجزئيات كما هو شأن الرجل مثلاً . وهذه الناحية البارزة فيها - وهي من ابرز النواحي التي تميز المرأة من الرجل قد افاضت على فنها واسلوبها سحر المرأة وفتنتها ، وخاصة انوثتها بكامل معناها وروعتها .
اما الموضوعات التي تناولتها في قصصها ، فهي لا تتجاوز اوضاع الحياة اليومية ، واحداثها التي لا تخرج عن
حيز المعروف المألوف
ولكن الكاتبة استطاعت ببراعتها ومقدرتها ، ان تستخلص من هذه الاحداث والاوضاع ، صوراً ومشاهد منتزعة من صميم الانسانية ، كما خلدت ايضاً بوصفها الاشخاص الذين ابتدعتهم ، مشاكل هذه الانسانية الخالدة بآلامها وافراحها وخيباتها
واذا انت قرأت هذا الوصف خلته مشهداً حياً يجري امامك لا ادباً تطالع الفاظه المنمقة الجوفاء في غالب الاحيان .
وتتجلى مقدرة الكاتبة بكامل روعتها ، في هذا التنوع الذي تشيعه في قصصها ولو انها قصدته من طرف خفي . فأنت مثلاً تلمس في قصتها المسماة «مقدمة» اجيالاً اربعة من النساء يعشن مجتمعات ، ولكن لكل منهن خصائصها التي تطبعها فيها مرحلة السن التي تجتازها . فأنت ترى الجدة وابنتيها - واحداهما متزوجة والاخرى عزباء - وحفيدتيها ؛ وتتبين طبيعة كل من هؤلاء وخصالها من خلال ما تحدث نفسها به او تقوله للآخرين ، وما قد يدور في خلدها من سانحة وخاطر .
لقد تحقق في كترين منسفيلد تعريف الفنان الحق الذي لا يدع للآخرين مجال الشعور به كفنان . بل يجعلهم يلمسون نتائج هذه الصفة وآثارها من خلال ما يصدر عنه .
وكترين منسفيلد كانت فنانة حقة لانها كانت عنصراً بارزاً من عناصر هذا الكون اعطى ما يستطيع ان يعطي للوجود ببساطة وتواضع .
الانغام التي اسمعهم الآن ، آخذة
