بالصعود التدريجي فالانحدار ، فالانزلاق الفجائي . والآلات التي تنبعث منها ، تجتمع وتأتلف مرة ، وكل منها تقول قولتها الخاصة ، ولكن بانسجام وتناسق ، ثم تفتقر لتقول كل منها على انفراد ، ما تريد به تأكيد شخصيتها .
الأنغام تطير الآن وتحلق ... ان لأجنحتها نعومة الهواء وخفته ... لقد ابتعدت عن الأرض وبات حديثها همسا ووشوشة ؛ انها تختلج طربا حيث تقترب من السماء ، كأن النفس التي ارتفعت مع هذه الأنغام الى تلك الأعالي ، قد ألقت ذاتها في وطن الفنان الحق حيث لا حواجز تفصل بين شتى ابناء الإنسانية ولا مطامع تفرّق بينهم ، فاسترسلت الى طبيعة الفن فيها تبعث كنوزها وتنثر مخبئاتها وهي اكثر ما تكون مرحا وانشراحا .
ولكن ما بالها تنكمش فجأة ، كأن بعض الكمود قد اخذ يتسرب اليها ويتغلغل فيها فيفسد جو المرح والانشراح الذي كانت تتحول فيه وترفرف ؟ آه ... انها آخذة في الهبوط على الأرض ، حيث الانكماش وحيث الانحصار ، وحيث التقيد بالحدود والقيود ! انها تحتدم بين بعضها - ها هي ذي تنفجر ... فيتطاير منها شرر التحدي والتمرد وينبعث من هذا الانفجار نشيد الحرية ... حرية الانسان أيا كان جنسه ولونه ومذهبه ... غير ان شيئا من الطمأنينة قد عاودها الآن فأخذت الفيولونسيل تتحدث عنه ، كأن الفنان قد أيقن في نهاية الامر ، ان ملجأه في الوجود انما هو طبيعة الفن فيه التي توسع امامه الآفاق كلما ضيقها عليه المجتمع . وهل من عجب ان تكون هذه
النفس الزاخرة بشتى الألوان الفنية نفس بتهوفن العظيم ؟
الوربما ...
غرائب النفس البشرية ... من يستطيع احصائها ؟ كنت هذا المساء في احدى دور السينما اتأمل قبل عرض الفيلم انعكاس الأنوار على الأشياء وفعلها فيها . وكانت الأنوار البيض في البدء منتشرة في القاعة الى حد فضاح يجهر بكل ما نقش على سقفها وجدرانها . فكانت العين اذا نظرت إلى هذه الأشياء لا ترى فيها شيئا عجبا ، ولا تفرض ان من ورائها أشياء ! ولكن
ما كادت الأنوار الحمر تحل مكان البيض التي توارت خلفها ، حتى رأت العين عجبا : رأت النور الأحمر الظليل يخلع على الأشياء سحرا يحول من اشكالها حتى الأساس ، ويلبسها من المعاني ما يجعل النفس تسرح في عوالمها وخفاياها . ولكن العجب رأته العين عندما أخذ شقا ستارة الشاشة الشفافة ينفرجان رويدا رويدا وينفصلان شيئا فشيئا عن بعضها ، والنور الأحمر من بينهما يشيع لهما سحريا ، يوهم العين ان خلفه قد توارت دنيا هي الجنة بعينها

