احتفلت دمشق بذكرى الجلاء ـ جلاء القوة الغاشمة عن مشارف الحق؛ فكان احتفالاً رائعاً حقاً، تجلت فيه العاطفة الوطنية التائقة إلى الحرية والكرامة.
فقد لبست سوريا من أقصاها إلى أقصاها معالم الزينة البهيجة، وزحفت الألوف من أبنائها إلى العاصمة الخالدة حيث اشتركت مع وفود الأمم العربية الشقيقة بما توحيه هذه الذكرى من زهو بالفوز بعد طويل الجهاد، ومن شعور بما يتطلبه هذا الفوز من المسؤوليات الجسام.
ولم تكن المرأة السورية أقل المواطنين زهواً بالفوز وشعوراً بالمسؤولية، إذ انبرت تعبر عنها بأصدق ما يكون التعبير؛ وهي التي لها في تاريخ الجهاد صفحات مشرقات؛ وهي التي لها في سجل النهضة ـ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ـ وقائع حميدات، وأعمال باهرات، ومشاريع تقيم الدليل على ما توصلت إليه من الوعي والإدراك.
وإنه لما يسر «صوت المرأة» أن تخصها الأديبة الناهضة السيدة منيرة علي المجايري بهذه الكلمة «من وحي الجلاء»، لكي تقدمها إلى قارئاتها العربيات تحت كل سماء، كأجود ما يعبر عنه فكر المرأة وقلبها نحو هذه الذكرى الخالدة في تاريخنا بإذن الله:
في مثل هذا اليوم من العام المنصرم أطلت من سماء العروبة شمس مشرقة بعد ليالٍ حالكة فبعثت النور والحرية.
واستبشر بها المخلصون بأعين دامعة بالفرح وقلوب خافقة بالهناءة، بعد عبرات دامية، وحسرات لاهبة، وآلام ناصبة؛ لم توهِ من عزائم المؤمنين ولم تدع لليأس سبيلاً إلى نفوس الأبرار الخلص من أبناء دمشق.
... في مثل هذا اليوم الأغر المحجل ارتفع العلم المحبوب عالياً على مشارف الشام، وأنجاده، وقممه، ووهاده، لا يعلوه علم ولا تنافسه راية.
... في مثل هذا اليوم الجليل شاعت العزة في النفوس، والحبور في


الصدور والبسمة على الثغور.
كنا نفتح عيوننا فلا نرى إلا أعلام المستعمر الغاشم تخفق، وجنده الظالم يخطر، وعصائبه المتتالية تترى. فجاهدت الأمة جهاد الأبطال، وجادت بالنفس والنفيس حتى أقصت الغاشم الدخيل وخرج مذموماً مدحوراً إلى غير رجعة.
في مثل هذا اليوم سارت الأمة صفاً واحداً تحت راية واحدة وقيادة واحدة، مبشرين بوحدة عربية تامة. فلا حدود ولا دول صغيرة ولكن دولة عربية خالدة تحمل مشعل الحرية والحضارة وهاجاً ينير السبل ويفسح المجال لكل من أراد العلا والمجد وشغف بكريم الغايات وعظيم المنى.
بشراك يا سوريا فقد وجدت في بنيك من يعزز جانبك ويخلد اسمك، ويرفع من شأنك.
إنهم نداء المستقبل، ودفقة الربيع، وحركة الحياة.
ولن يكون عمل الفتاة السورية بعد اليوم تفاخراً بالأنساب أو تباهياً بالمطعم والملبس، ولكن علماً، وعملاً، وجداً، تبني بها صروح المجد وتعلم أبناء الوطن الإباء والشمم والشرف والإخلاص.

