تناهض الرجل الكهل في كرسيه ذات العجلات، ثم التفت إلى رفيق له بجواره يقول:
- اعطني قلماً يا جان.
وخرج الرفيق من حضرة الشيخ المتعب مطأطأ الرأس، في عينيه دمعة دافئة سجينة، وعلى ثغره شبه لعنة معقولة يرغب في إطلاقها من صميم قلبه ولكنه يحجم خوفاً ووجلاً. خرج دون أن يقفل الباب وراءه.
وخيم السكون على الغرفة حيث جلس الكهل بلحيته الكثة البيضاء وشاربه الغزير المسدل، يبدو الضعف في كل عضو من أعضائه ويسري الوهن في كل مفصل من مفاصله، وقد انقبضت يداه فلا حول لقبضته، وخارت ركبتاه فلا يقوى على المسير. وقد خشي أن تأكل أظفاره النامية في لحم كفيه فحشى قبضتيه قطناً وشاشاً.
إنه أشبه شيء بتمثال للألم والضعف إلا أنه حي من لحم ودم، ومن صنع الله، تباركت رحمته.
وشرع الرفيق في الغرفة المجاورة يبحث عن القلم، ولكنه لأمر ما، لا يعلمه إلا الله، فقد مكانه ولم يجده. فأخذ ينقب بين الأكداس المتراكمة من الأوراق المصورة، ويدس رأسه، بشعره المسرح اللامع بين اللوحات الكبيرة الملونة، فتتصاعد رائحة الزيت والألوان إلى أنفه يستنشقها برغبة وشغف كأنها عرائس صبايا معطرات، أو ورود ذكية
طيبة... ولم العجب؟.. أليس الشذى العذب قسم من لوحات «رينوار»؟... أما يفوح الطيب من أجساد عراياه اللدنة؟...
وتتوارد على مخيلة الرجل ذكرى الأيام الماضيات يوم كان «رينوار» في قوة شبابه ونضارته، ويوم كان يسير على قدميه ككل رفاقه من البشر وفي الوقت عينه متحدياً إياهم جميعاً، يوم كان يحمل بنفسه أقلامه وأوراقه، ألوانه ولوحاته ينتقل بها في باريس من مكان إلى مكان وفي خارج باريس من مكان إلى مكان، ويوم كان يسير في شوارع المدينة ينتقي نماذجه من الفتيات اللحيات الجميلات. ولا يزال يذكر كيف كان يرفض كل فتاة تعكس بشرتها الأنوار المتناثرة عليها، فرينوار شغوف بالبشرة التي تمتص الأنوار فلا تلمع في وجهها ولا تتلألأ. وما فتئ يذكر أيضاً سيده الكهل يوم كان يخرج إلى الحقول يختار من الطبيعة ما حلا له تصويره وأعجبته ألوانه.
ورينوار واحد من الذين ناضلوا ضد المدارس القديمة، وحمل مع «الوحوش» علم التحرر الفني المطلق، وصادق «الانطباعيين» وأخذ عنهم الشيء الكثير ولكنه مع هذا كله كان فريداً في ألوانه، فريداً في رسومه، فريداً في أشخاصه ونسائه، وفريداً في نجاحه أيضاً، فقد عرض في معارض المدرسين دون أن تجابهه عقبة طيلة حياته.
- «ولكن أين القلم!»
هذه أوراق يحاول الرجل أن يرفعها علّه يجد بينها القلم المطلوب، فتعيد إلى ذاكرته شباب سيده هلته الحياة والطموح. وتلك أوراق تحمل في طياتها كل ما اختلجت به نفسه الحساسة ومشاعره الرقيقة، وغيرها صور ضمنها كل ما عبث بقلبه من الحب، وما لعب بعقله من عشق وهيام، وغيرها من رسوم الأطفال الأبرياء. والفتيات الساذجات كثير، قد أضفى عليها من لدنه كل جمال ورقة.
وهذه العرايا الشهيرات، هذه النساء ذوات الأجسام التي ما شهد مثلها إنسان من قبل، تطفح حياة وقوة، وتزخر بالحرارة والعاطفة، ملء طياتها الحركة والنضوج، تفعم أعطافها بالمرح المكبوت والسرور الهادئ الساذج، وكأنها تجهل مكانتها من الإنسان إلا أنها في الوقت ذاته تشعرك بتلك المكانة وسموها وخطرها... وتهز شعورك هزاً، فكأنك، وربما، أمام الحقيقة عارية مجردة قد طرحت زينتها جانباً، وتخلت عن زخرفها وكذبها، ونضت عنها غرورها الزائف وخداعها الكاذب، وكأنها تجهل وجودك أمامها فتعرض عليك، سهواً، جمالها العميق الخالص - ذلك الجمال الذي لا يخضع لقانون أو شرع ولكنه يخضع لإرادته كل إنسان وكل قلب: جمال الزهرة البريئة، لا المرأة الغاوية.
أجل. إنك إذ تقف أمام نساء «رينوار» تقف أمام «المرأة» مجردة، سامية على الواقع، ثائرة على العادات والفوارق، خالصة من كل شائبة ومن كل أثر غريب دني، أو شبه خالصة. هي المرأة المسيطرة القوية، لا

