خضعت النكتة لسلطان النشوء والارتقاء ومرت بأطوار كثيرة قبل ان تصل الى ما هي عليه اليوم في آداب الامم.
الطور الاول هو تمثيل المنهزمين من الاعداء اثر الغارات التي كان يشنها بعض القبائل الرحالة للسخرية منهم والازدراء بجبنهم. وقد وجد في كهوف اسبانيا الاثرية رسوم يعتقد انها اقدم رسوم في العالم تمثل الاعداء المنهزمين ويظن انها رسمت يوم كان الانسان لا يفصح عما في ضميره الا بالايماء والاصوات التي لا تمت الى لغة بصلة.
الطور الثاني محاكاة العاهات او تقليد اصحاب العيوب البدنية في مشيتهم وحركاتهم وسكناتهم للاضحاك.
الطور الثالث، وكانت اللغات قد وضعت اثناءه، يختص بالسخر من العيوب الادبية او العاهات الاخلاقية؛ وفيه ظهرت الاديان للوجود وظهر رجال اثر ذلك استخدموا الدين لمنفعتهم الخاصة فانصب عليهم غضب ابناء طوائفهم فجعل الاذكياء منهم يسخرون بهم في قصص صغيرة تثير الضحك والازدراء نقمة وتشفياً من تحويرهم قواعد الدين الادبية والانسانية لما فيه الربح واملاء جيوبهم من المال على حساب السذج والبسطاء. واكثر من فعل ذلك في ادبهم اليهود فكتبهم مليئة بارقى السخر.
وفي الادب العربي الجاهلي شواهد على ان العرب سايروا هذه الاطوار التي ذكرت فاكثروا اولاً من ممازحة ذوي العاهات البدنية والسخر منهم. وكان العمى والكساح وغيرهما من العاهات تصيب سكان الصحاري العربية بكثرة لوفرة تقاتلهم وندرة المياه عندهم وهبوب العواصف الرملية التي كثيراً ما اعمت الابصار، حتى لنجد الشعراء منهم امثال حسان بن ثابت والخنساء لم يسلما من العمى وغيرهما كثير. وارتقت النكتة الادبية عند الجاهليين فبلغت حد الاحاجي والالغاز.
قالوا في النار: ما اسم شيء لا فم له ولا اسنان اذا وضع في اعالي الشجر اكلها حتى الجذوع. كما انهم ألغزوا في البيضة والارنب والثور والنمل والقطاة والفرس والنسر.
ورووا عن الجن قصصاً، وضرب المثل عندهم بخرافة وهو رجل كان الجن يتحدثون اليه. قال المفضل الضبي ان خرافة هذا كان معاصراً للنبي وانه حدثه ببعض الاحاديث فأعجب بها.
واكثر نكت الجاهليين ينصب على العيوب الاخلاقية

