لا ادري لم نحن الفتيات نتمعض من كل شاب عربي يتزوج من اجنبية وخصوصاً اذا كان من خيرة شبابنا علماً وثقافة . واظن انه يحق لنا الامتعاض من ذلك ، وخصوصاً انه لم يتسنّ لنا حتى الآن الزواج من رجل روسي او بولوني مثلاً !! .
بهذه الروح المتمعضة قابلت السيدة يفينة زوجة الاستاذ شارل عيساوي استاذ العلوم السياسية في الجامعة الاميركية ، ومن الميع شبابنا . بادرتها بالسؤال ، « وما الذي اتى بك الى بلادنا ؟ » فاكفهر وجهها ومرت عليه موجة من الالم الصامت ، واجابتني : « لا تذكريني بالماضي ، الذي اذا ما ذكرته يشوش عليّ هنائي الحاضر . ولكن لا بأس من ان اسرد عليك مأساتي بل مأساة معظم البولونيات .
لقد مرت عليّ ساعتان وانا صاغرة اسمعها تكلمني عن حياتها في بولونيا ، ثم تفاصيل الحرب وما قاسته منها خصوصاً في روسيا ، الى قدومها الى لبنان ثم زواجها .
واذكر جيداً اني ما انتهيت من حديثي معها حتى ذهبت للسيد عيساوي اهنئه بها ، واصرح قائلة بانه هذا هو النوع من السيدات الاجنبيات اللواتي اذا تزوج العربي باحداهن ، لا نغضب ، بل بالعكس نسر بالامر ، لانها ليست من النوع الذي يطغي على شخصية الزوج بل بالاحرى تغذي شخصيته بحيويتها وثقافتها العالية .
ولن احرمك ياسيدتي من حديثها ، بل سأذكر لك مجمله بكلامها :
قالت السيدة عيساوي : « عندما تخرجت من جامعة فرسوفيا ارسلني اهلي الى باريس لاكمال دروسي في التاريخ والعلوم السياسية . ولكني لم اقض في باريس سوى سنة واحدة ، لان الحرب اجبرتني على الرجوع الى بولونيا في سنة ١٩٣٩ .
وكان ابي يشغل احد المراكز الحكومية في فرسوفيا ، وباقتراب الجيوش الالمانية من العاصمة نزحنا الى قرية في شرق بولونيا . ولم نعرف باننا سنكون من حصة الجيش الروسي الا عندما استيقظنا في اليوم التالي ، ووجدنا الجيش الروسي محاطاً بالقرية .
ونظراً لمركز والدي في الحكومة ، طلبنا من السلطة العسكرية الروسية في القرية السماح لنا بالرجوع الى فرسوفيا . وكم كنا سعداء عندما رحب الروس بطلبنا وسهلوا لنا الجوازات
اللازمة للوصول الى فرسوفيا . وهكذا ركبنا احدى السيارات العسكرية « يحرسنا » شرذمة من الحرس الروسي .
ولكن كم كانت الصدمة اليمة ، عندما رأينا ان وجهتنا لم تكن الذهاب الى فرسوفيا بل الى سيبيريا ، تلك المجاهل القارصة القاحلة . »
وهنا توقفت عن الكلام ، واشاحت بيدها على وجهها كأنها تريد طرد ذكر تلك الايام المظلمة ، ولكنني طلبت منها متابعة الحديث ، فقالت :
« ماذا اقول لك عن روسيا وسيبيريا واقامتنا بها ؟ لقد بقيت اربعة عشر شهراً في معسكر الاعتقال في سيبيريا وكانت الاحكام علينا هي الاشغال الشاقة ، فكنت اذهب صباحاً الى الغابة حيث امضي النهار بقطع الاشجار ، والويل لي اذا ترددت فيكون نصيبي البقاء بدون طعام .
ولما بلغ مني الهزال اشده ، ولم استطع حمل الفأس ، نقلت الى وظيفة اخرى ، وهي تنظيف المستنقعات ونقل اوساخ الحيوانات من مكان الى آخر . . .
اما الطعام ، فقد كنت سعيدة اذا فزت يوماً بقطعة صغيرة من الخبز الاسود . »
وهنا لاحظت انها تريد الاقتضاب في الكلام عن سيبيريا الى ان قالت : « بقينا هكذا الى ان تم تأليف فرقة من الجيش البولوني في روسيا وقرر ارسالها الى الشرق الاوسط . وقد انخرط والدي واخي بهذه الفرقة وهكذا عندما توجهت الى ايران كنت ووالدتي بصحبتها والحمد لله .
وقد بقينا سنتين في طهران ، حيث كنت اشتغل في المفوضية البولونية هناك ، بينما كان والدي واخي قد سافرا الى جبهة الحرب في ايطاليا .
واخيراً كتب لي الحظ بالقدوم الى بلدكم هذا ، وكم انا سعيدة بذلك . لقد كنت اسمع بكرم العرب وحبهم للضيف ، ولكني لم اكن اصدق انكم تعطفون على الغرب الى هذا الحد !! وهكذا تنفست الصعداء وصرت اذهب الى الجامعة الاميركية لاتمام دروسي الى ان حزت على الشهادة . و . . . » وضحكت ، وسألتها وانا اضحك ، وبعد ذلك ؟
فاجابتني : « الم اقل لك بان بلادكم عزيزة عليّ ؟ وها انا فرد منكم اليوم . اذ تزوجت استاذي بالجامعة شارل ، واصبحت فعلاً عربية ، وسأصحب زوجي في وظيفته الى اميركا للدفاع عن قضية فلسطين ، التي اصبحت عندي بولونيا الثانية . اجل كلا البلدين جريحان ، وسأحاول خدمة الاقرب اليوم .
وقد بدأت بدرس اللغة العربية ، لانها لغة زوجي وفي المستقبل اولادي . . . »
وهكذا ودعت السيدة عيساوي وانا معجبة كل الاعجاب بهذه البولونية العربية الجديدة ، التي يجدر بنا الاقتداء بها .
« نروى » نروي نروي


