كانت النسمات الرطبة ترتعش وئيدة على وجه البحر الهادئ عندما أشرف على الشاطئ المتعرج ؛ الصياد الفتي . وقد أخذ يتعثر بخطاه تعثر الثمل . ووقف يرنو إلى البحر عن كثب . وكأنه
غابت عن ناظريه . وعندئذ بدت على أساريره الساهمة سحابة دكناء ماجت فيها أخيلة متباينة تفسر كلها معنى واحداً ، هو الهزء بهذه الحياة الثقيلة .. الشديدة الثقل .
إنه على الطوى منذ يومين اثنين ؛ فيا للحظ ويا للقدر ! !
إن هذا لفظيع . ما في ذلك شك ولكنه واقع الآن ، فما العمل ؟ ؟
وراحت هذه الكلمات الحائرة تدور على لسانه ، دورانها في فم معتوه ، لا يعي ما يقول .
وتجلت الحياة بناظريه لمعاناً خاطفاً على ما فيها من ظلمات ،
عندما أضمر - في اللحظة الأخيرة - في نفسه أمراً .
ترى ما كان ضره هو لو أنه ألقى بنفسه في هذا اليم الرحيم بدلاً من شبكته هذه .
أولاً يكون في عمله هذا أشد تمسكاً بكرامته منه وهو ينزل بها في كل يوم إلى ذل أنواع الطلب المر الذي يرشح له جبينه عرقاً ، ويملأ ناظريه بالانكسار ؟ !
وبدت له على صفحة المياه ، بين المد والجزر ، الساجين ، تلك الوجوه المتجهمة ، وجوه دائنيه وقد أخذوا ينظرون إليه شذراً وعلى شفتي كل منهم كلمات ...
وبحركة جنونية تجلت فيها كبرياء الغيور على كرامته جذب حبل الشبكة إليه ليرمي بدلاً منها بنفسه ،
أوليس الموت أحب إليه من هذه الحياة .. المأفونة ، المائعة ؟
بلى . . . إذن فما يتبعه أن يفعل ! لا شيء ، لا شيء مطلقاً ! ! وجذب الحبل إليه للمرة الثانية وقد أخذ يعارضه صوت قوي خارج من قرارة نفسه بقوله ؛ ولكنك يا هذا ما زلت شاباً . وما زالت السبل أمامك فسيحة الجوانب ، مذهبة الأطراف .
بيد أنه قاطع ذلك الصوت بعنف قائلاً :
أجل إنني شاب ، أنا أعلم ذلك جيداً ولكن ما قيمة هذا الشباب الجاف الذي يذوي ويفنى ، مترقباً دون بلوغ أمانيه ! !
ما قيمة هذا الشباب الذي يقف مطأطئ الرأس في انتظار اللقمة السوداء !



