ثم ما هذه النغمة الصامتة التي ترسل الحانها من عمق نفسه ؟
انها الضعف ... من غير ريب .
واكفهرت السماء على حين غرة ثم ابتسمت وعبس الافق الحزين ثم افتر عن سر لا يفقهه احد . وبين هذا وذاك ، وذاك وهذا ، جذب الفتى حبل الشبكة اليه للمرة الاخيرة بكل قواه الزاخرة بالثورة ، ولكن ، ما كاد يفعل حتى وقف اعياء ودهشاً ذلك ان قواه الهرقلية اضمحلت حيال ذلك الحمل الثقيل الذي يشد بالشبكة الى القاع .
ترى ماذا هنالك ؟ ! ورفع خصلة شعثاء من شعره السبط عن جبينه ، وراح يجفف القطرات المرفضة منه .
يا له من .. ابله ، فما له وللشبكة الآن وما يعنيه منها بعد ، فليتركها في القاع السحيق الى الابد .. وضحك ضحكة فيها معان مختلفة ، ولكن قد يكون الفضول او يكون التمسك بأذيال الحياة ، او يكون سوى هذا جميعاً اوقف ضحكته في حلقه ، وراح على الأثر يشد بالحبل شد من وثق بنفسه من جديد ..
وتتابعت الدقائق يجر بعضها بعضاً وانسابت سمكة كبيرة من امامه مسرعة ، ولمع شهاب من البرق الخلب عند الافق
ولكن هو لم يفطن الى شيء من هذا لان همه الوحيد كان يتجه بكليته الى ذلك الحمل الثقيل ، وتغلبت قواه فانتشلته اخيراً
اوه .. ما هذا ؟ ، يا له من صندوق جميل مغر لم ير في حياته مثله ابداً ، ويا لله ، كأنما رصفت احجاره
البراقة من نجوم السماء الزواهر ، ولكن .. ترى ماذا يحمل هذا الصندوق من الاسرار ؟
لم يشده الصياد اليائس لتلك المصادفة الخارقة كرغبته في معرفة ما يخبأ له بعد وبهذه الهنيهة الدقيقة ، غابت آخر فكرة جالت بمخيلته عن القضاء على نفسه ، واخذ يعالج مزلاج الصندوق بمنكة الخبير بينما انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة ...
وفي اللحظة الاخيرة فُتح الصندوق وبدت للفتى في داخله حسناء كاعب ، لم ير في حياته من تماثلها بهاء ورواء . وشقت الفتاة اهدابها هوناً وراحت تنظر اليه من خلالها ...
رأت الشباب ، والقوة ، والجمال . وشيئاً بديعاً رائعاً لم تفهمه .
رأت كل هذا يتوارى وراء مظاهر الفقر فاعجبت به وتمنت لو انه يقبل شرطها ... فتنشله :
ورأى هو سحر العينين الدعجاوين
ولمى الشفتين النديتين ، والمعاني الدقيقة الفاتنة تغمرها النظارة وتخرج فيها البضاضة وتضحك فيها الحياة ، فأعجب بها وتمنى لو انها تسمح له ان يسجد امام هذا الجمال سجدة لا يرفع رأسه منها الا يوم يحشرون . ولكنه جمد ولم يبد ، وظل في مكانه خاشعاً واخذت هي تحاوره بمنطق معسول ونبرات رخيمة ، قائلة :
مع خيوط الشمس التي اطلت ساعتئذٍ من وراء الغيوم ، وفي هذه اللحظة نسي جوعه ، وفقره ، ويأسه . وتجلت له الحياة بمفاتنها جميعاً بين تينك الشفتين البسامتين ، فهتف صارخاً :
« بل انت التي اؤثر » .
انت يا اعظم هبة سماوية يرسلها الخالق الرحيم لعباده الاشقياء .
انت يا فتاتي المعبودة . التي افضلها

