هي الغرفة التي تتجه اليها انظار أفراد العائلة كباراً وصغاراً . فبينما المطبخ هو مستودع الاطعمة ، والمعمل الذي يجهز للشهية كل ما لذ وطاب وأفاد ، لا ينالنا شيء منه حتى تعرض مصنوعاته علينا في غرفة المائدة ويتوقف جمال هذا العرض أو عدمه ، على ربة الدار ، وعلى ترتيب المائدة التي تعدها لذلك ، وهذا ما يتطلب عناية خاصة منها ، للاستفادة من الغذاء بطريقة تجلب الشهية وتسر العين في آن واحد .
ان في هذه المساحة الصغيرة من البيت ، مجالاً واسعاً ، وميداناً فسيحاً يمكن للمرأة أن تلعب فيه دوراً هاماً من أدوار حياتها - هو الدور الذي يمثل الجمال والذوق والسخاء والاقتصاد هذا إذا شاءت - وإلا فان واجباتها من حيث هذه الناحية العصرية الجديدة ، ستظل محصورة في أداء واجب الطعام ، على الشكل الذي يمكن لخادم البيت ، أو الخادمة القيام به أحسن قيام .
ليس بالامر السهل علي الاشارة الى تقصيرنا بالواجب الذي يطلب منا نحو المائدة ولكن هي الحقيقة التي لا يمكن اخفاؤها ، وهل بغير الانتقاد النزيه يمكننا الوصول الى ما نريده لبيتنا الجديد ؟ نحن مع الاسف لا نحسب لمائدة العائلة حساباً الا حين الولائم ووجود الضيوف عندنا فلا نرى بأساً فيما لو أكلنا في المطبخ أو الدار أو غرفة الجلوس أو اذا أكلنا في وقت معين أو غير معين أو اذا ازدردنا الطعام بسرعة أو ببطء أو اذا أكلنا في صحن واحد او عدة صحون ، فهذه كلها امور لا محل لها من الاعراب عندنا ما زلنا نتقن التشخيص كلما دعا الداعي الى ذلك والتزمنا الجلوس على المائدة مع الغرباء من ضيوفنا الاجانب او ذوي المقامات العالية من بني قومنا .
نعم ، نحن نوجد هذه الغرفة ونخصها بالقسم الاوفر من مالنا فنضع فيها الموبيليا الفاخرة والاواني الفضية والخزفية الثمينة لا لرغبة تدفعنا للتمتع بها بل حباً
بالمباهاة امام الغير بما نملكه من مفاخر الزينة والاثاث فلا يدخل علينا ضيف حتى نقوده الى غرفة مائدتنا لا لنشركه بمفاخر اعمال ايدينا الفنية ، ولا بأطايب مآكلنا الشهية - فالوقت ليس وقت الاكل - بل لنريه الكنوز التي اشتراها المال وحب التقليد.
ان نظر المتحضرين للمائدة قد تغير كثيراً في السنوات الاخيرة ، فبعد ان كانوا يبذلون العناية القصوى لانتقاء الموبيليات الفخمة لها من خشب الارز والموجنه والسنديان ويزينون جدرانها برسوم وتماثيل زيتية ، وسقفها بمصابيح عدة تنطلق منها الانوار الساطعة ، ويضعون على نوافذها تلك الستائر الكثيفة الثقيلة ، حتى ليخال للداخل اليها كأنه داخل الى كنيس او معبد قد اصبحت اليوم على غاية في البساطة ، مع كمال الذوق بزينتها وانسجام الوانها فبدلت تلك الستائر الكثيفة بستائر شفافة ، وتلك الخزائن الضخمة - مع بقاء العناية بنوع الخشب الصالح المتين الى مناضد قليلة العرض والعلو ، ليسهل استعمالها حين التقديم ، مع جوارير لاستيعاب ادوات المائدة واستعيض عن تلك المصابيح المعلقة بالسقف واعالي الجدران بمصباح واحد يوضع في زاوية الغرفة ، ذي مظلة جميلة الصنع للتخفيف من حدة النور على العيون ، وبعضهم يستعيض عن نور الكهرباء بضوء الشموع يضعونها على مائدة العشاء مجللة بالورق الملون المخصص لهذه الغاية ، لاعتقادهم ان هذا النوع من النور الطبيعي الضئيل لما يزيد في روعة المائدة وزينتها ، وعذوبة الاجتماع حولها .


