وجمالاً ، واني .. انا الى رنين كلماتك الفياضة للمتاحة مشوقة .. وبينما كانت تدني وجهها من وجهه احست بتململه دون ان يجيب ، فتطلعت اليه بعينين مروعتين ثم انسحبت من قربه سادرة وقد ترقرقت دمعة بين الأهداب الوطف .
وقالت تناجي نفسها - قد يكون سئم هذه الحياة الرتيبة التي لا تتغير ايامها ، فلأجيئه بمكتبة فريدة تجعله كتبها الى اجوائها اللآلآة فيطل منها على العصور الغابرة وما تلتها من العصور النيرة الحاضرة وتطير به اصحابها الى مواطن الخيال والجمال .
وعركت خاتمها الفضي ، فانتصب ماردها في الحال يعرض عليها خدمة وصدع بما أمر وكانت المكتبة النادرة تحت تصرف فتاها الحبيب ..
بيد ان شيئاً من تلك المكتبة لم يذهب بالاكفهرار الذي لم يعد يفارق وجه الزوج العزيز ، ولكنها هي لم تيأس فلعله تاق الى رؤية الناس .. وهل خلق الانسان ليحيا وحيداً ؟ ؟
واخذت تعرض عليه رأيها بلطف بعد ان اعتمدته .
ولم تمض برهة حتى كان له مخازن كبيرة لم ير مثلها في تلك المدينة ، واذا بالعمال تنتظر اوامره . واذا بالعملاء يقدم اليهم شروطه ، وراجت تجارته رواجاً ذهب بتجهمه ، ولهاه عن امره ، واعاد الابتسامات الحلوة الى شفتي الزوج الحنون .
* * *
تهافت الليل كثيفاً تقيلاً ، وسكن القصر بما فيه سكون اهل الكهف الطويل ، ودقت ساعة الحديقة دقاتها
المدوية الحادية عشرة فتنبهت الزوجة التي ما زالت تنتظر قدوم قرينها منذ المغرب عند الأيكة الكبرى ، وقامت تطفئ الأنوار المشعة واحداً واحداً - ولكنها بدل ان تقصد الى سلم القصر ثم الى سريرها كالعادة - سارت ونيداً نحو الباب الكبير ثم تخطته الى الخارج وقد قامت برأسها فكرة ...
ها هي ذي الأمواج تختلج على رمال الشاطئ ، وها هي ذي النجوم ترسل انوارها الى الارض شاحبة ، وهذه هي الذكريات الاليمة تنثال على خاطر ( غادة البحر ) فتطل بها على عالم اسود ليس فيه الا كل مداج ، مراء ، مخادع ، مراوغ . وهل ( هو ) ألا من هذا العالم ، ومن بني الانسان ؟ لا .. لا ، انه لن يكون على غرارهم ، انه منهم اجل ، ولكن اليس الرسل والانبياء من هذا العالم ايضا ؟ ؟
ومضت تمشي قدماً الى تبرير الغاية التي تنشدها ، وسرت ساعة او بعضها ، ووقفت اخيراً عند مخازن زوجها المقفلة الساكنة سكون ذلك الليل تتطلع اليها من فؤاد يتفجر بالدموع ... يا لله ! لقد وهمت اي وهم لدن ظنت ببراءته ..
ومر بها حارس كهل . فوقف يسألها عن حاجتها في ذلك الهزيع الأخير من الليل ، ولما رأى شرود ذهنها وسهوم محياها الفاتن .. فطن . واطرق هنية . ثم رفع رأسه المثقل بتجارب الايام ليقول لها بصوت حزين كلما أحس انه ينعي فيه امالها : انه هنالك يا سيدتي بين ذراعي عشيقة حسناء تجرعه خمر الهوى دهاقاً ...
قال ذلك واختفى مسرعاً ليخفي
دمعة ترأرأت بين اجفانه على ضوء الشارع الباهت شفقة على الجمال الكسير والفضيلة الملعونة .
وسرعان ما اختفت هي وراءه تلفها طيات الظلام ولكن ليس لتمحو اثر الدموع الغوالي . بل لترتمي باستسلام في حضن البحر الحبيب ، ولتقسم للمرة الاخيرة انها لن تبلو الرجل مرة ثانية ..
وكان الغد ورقي الصياد يطوف في الاسواق سائلاً متنقباً عن املاكه ، ومبانيه ، وتجارته ، ومجده ، وغادته ..
وكان كلما مر باحد من الناس ارتسمت على وجهه ، لحالته ، صورة التوجع له والشفقة عليه ...
ذلك لان احداً لم يفطن الى انه لم يكن مجنوناً قط - وانه انما يواجه ... حقيقته - للمرة الاولى في حياته .
ــ تابع المنشور على الصفحة ٩ ــ
الانكليزية في بيروت ونالت شهادتها عام ٩١٠
هذا ، وكل هذه المدارس تعد طالباتها لامتحان متركوليشن لندن ، ومتركوليشن فلسطين ، واكسفورد وكبريدج وقد تقدم للامتحان الاخير سبع فتيات من حيفا فجزن الامتحان ، واعفيت ثلاث منهن من تأدية امتحان المترك ، ذلك لان المسؤولين رأوا ان ذكاهن ومعلوماتهن فوق المعدل المطلوب .
وبعد ، فهل ازعجتك هذه القطعة الملينة بالارقام ؟ ان اول ما تكره المرأة وآخر ما تكره الحساب ، فعذرتك اذا ، وموعدنا متى التقينا على مستوى من الارض مخضر ، لا هضاب فيه ولا تلال ... فالى اللقا ..
( عكا - فلسطين )
