

كانت كأكثر فتيات اليوم تفهم الحب ضرباً من اللعب ووسيلة لتضية الوقت ، وكان من الفئة القليلة من فتيان العصر الذين يقدسون العرض ويؤمنون بالشرف . فكيف انفق أن يقع واحدها على الآخر ؟ وكيف ساهم كل منها في كتابة هذه القصة التي تعد من خوارق هذه الايام وعجائبها ! .
عاشت سعاد في بيت كل ما فيه يدل على الجاه العريض والثروة الواسعة والعيش الغني . فمن سيارة يملكها اخوها الاكبر وهو المدير الثاني للمصرف الخاص الذي يملكه ابوه في المدينة ، تحملها ساعة تشاء الى حيث تشاء مع من تشاء ، الى حفلات راقصة تتعرف فيها
بمساطر من الشبان فيهم من جميع الالوان ومختلف الاجناس الى رحلات بين طويلة وقصيرة ونزهات ليلية ترافق جماعة من صديقاتها وهن يسترسلن في الوان من العبث والتسلية منها ما هو بريء ومنها ما هو نصف بريء ، ولا يصح ان يقال أكثر من هذا .
كل هذا وسعاد لا تزال في السادسة عشرة من عمرها ، وهي تتابع دروسها في احدى المدارس المعروفة في بيروت .
الاعلانات تملأ شوارع المدينة . طلاب الجامعة الاميركية وطالباتها يمثلون رواية قيس ولبنى . حدث تاريخي في عالم التمثيل المسرحية التي تحز القلوب بما تحمله من عواطف شريفة .
قيس ولبنى أروع الحكايات الحبية في تاريخ العرب . وتعرف سعاد أن مديرة المدرسة مع بعض المعلمات يرافقن فريقاً كبيراً من الطالبات لحضور هذه الرواية الجميلة فليتم لا تكون معهن ؟ . ولقد سئمت حفلات الرقص فلتغير اليوم ولتذهب الى مشاهدة رواية أدبية شعرية ولكنها لا تميل الى التمثيل ولا تحب ان ترى الممثلين يروحون ويجيئون على المسرح ، صارخين تارة ومعربدين تارة أخرى وهم في ذلك مقلدون ، متصنعون !! وفوق ذلك هي لا تميل الى الشعر ولا تفهم الشعر فكيف تستطيع ان تبقى ثلاث ساعات متتاليات تصغي الى هذه المسرحية الشعرية ؟ ولكن ... ماذا يقول رفيقاتها عنها ؟ وليس من المعيب ان نقر امامهن بعجزها عن فهم الشعر وعدم تذوقه ؟
جماهير الطلاب والطالبات تتدفق على مسرح وست هول . ويلاحظ بين هذه الجماهير وجوه كثيرة لبعض ادباء البلد والصحفيين ورجال الفكر .
لقد احتلت جميع المقاعد وغصت القاعة بالمتفرجين . ويرتفع الستار عن خيام بني كعب بضواحي المدينة المنورة حيث يظهر قيس حبيب لبنى وهو يتغزل بها ... من تراه يكون هذا الذي يحتل دور قيس ؟ ان هذا الوجه الاسمر المشرق بسمرته ، هو أنيس عند سعاد ، لا بل هي تعرفه كل المعرفة فلماذا لا تستطيع ان تثبيته الان تماماً ؟ وهاتان العينان السوداوان الواسعتان ، كثيراً ما استوقفناها وهي تنزل سلم البيت في ذهابها الى المدرسة او عند رجوعها منها ... وفجأة تنتقل سعاد بخيالها الى البناية المقابلة لبيتهم في حي راس بيروت حيث يسكن في إحدى غرفها الطالب الجميل سمير . انه هو بلا شك ، يا للصدف الغريبة التي قادها الى الاستماع له والتمتع بصوته ! إنها كثيراً ما كانت تراه يقف في شباك غرفته ، ساهماً ، واجماً وعيناه مصوبتان نحو بيتهم تحدقان في غرفتها وان لم تكن هي فيها !! وكثيراً ما كانت تتسائل عن معنى هذا الوقوف الطويل وهذه النظرات الحائرة التائهة يرسلها سمير كلما سنحت له الفرص وكثيراً ما كانت تسنح له . ويمضي الممثلون في تمثيلهم فاذا هم يجيدون جميعاً في تأدية أدوارهم واذا سمير يحلق في دور قيس حتى ظن المتفرجون ان روح الشاعر العربي القديم قد تقمصت في روح هذا الشاب النحيل وأن العاطفة التي كانت تتأكل قلب الشاعر المضنى القديم ، هي هي العاطفة التي تتأكل قلب فتى القرن العشرين ...
واخذت سعاد تتابع سير الرواية بلذة وشغف واذا بها تفهم كل ما يدور حولها من مشاهد ومناظر واذا بها كتلة من عواطف تتأجج على مسمعها هذه الابيات الغزلية الحلوة :
هل تذكرين على مرج مجالسنا
نشكو هوانا ونغلو في شكوانا ؟
