ولكنها لم تجلس معه لا في مرج ولا في غابة ، ولكنه لم يبثك لها حباً ولم يظهر لها أية عاطفة فكيف تطمع في كل هذا ، بل كيف
تتأمل ان يخصها سمير بمثل هذه الاشعار ؟ ؟
وراحت تصغي بكل جارحة من جوارحها الى سمير يتغزّل بحبيبته لبنى وكانت فتاة من طالبات الجامعة ، وتمنّت سعاد لو كانت طالبة من طالبات الجامعة ومثلت هي هذا الدور ، إذن لاستطاعت ان تجيب على عاطفة سمير بعاطفة اصدق منها وأقوى ، وإذن لاستطاعت ان تبلغ اقصى امانيها وأشهى ما تحب !!
وتتأزم مشاهد الرواية وتتعقّد حوادثها فإذا بأبي قيس بعد ان قبل بزواج ابنه من حبيبته لبنى ، يعود فيصرّ مع امرأته على الطلاق لأن لبنى لم تنجب له ولداً فيحار قيس كيف يوفق بين عاطفته الصادقة نحو المرأة التي أحبها وأحبته وبين عاطفة البنوّة التي يكنها لأبويه ، فيصرخ من اعماق نفسه :
أبتي : انزع اضلعاً من أضلعي أبتي : احرق مهجتين وتتلف ؟
وكان سمير ، وهو يلقي هذه القصيدة ، كتلة من عواطف تذوب شيئاً فشيئاً ، وقد تحدّرت دموعه على خديه ، فإذا بقسم كبير من المتفرجين يشهقون بالبكاء ، واذا بسعاد تأخذ من جيبها منديلها الحريري الاحمر لتمسح دمعة سخينة لم تستطع ان توقفها . . .
وتعجبت سعاد من نفسها ، كيف استطاع سمير ان يؤثر فيها هذا التأثير ؟ بل كيف تبكي وهي التي لم تأبه في حياتها بمثل هذه المواقف الحبيبة المائمة ؟
وانتهت الرواية وفي رأسها ألف سؤال وسؤال وكلها تدور حول سمير الذي استطاع ان يكون محور تفكيرها وبطل تخيلاتها في هذه الليلة .
كانت تلك الليلة ليلة السبت ، وفي صباح الأحد قامت سعاد من فراشها مبكرة وأصلحت زينتها ثم لبست فوق بيجامتها معطفها العنّابي البديع وخرجت الى الشرفة التي تطل على غرفة سمير . وكان سمير قد سبقها ووقف كعادته يرسل نظراته التائهة الى غرفة سعاد . والتقت العين بالعين وخفق القلب للقلب فإذا بسعاد تبتسم ابتسامة تحيّي بها سمير فيتشجع ويجيب على التحية بابتسامة وانحناءة .
ولم يرض نهار الاحد الا وكانت سعاد قد هيأت حفلة مسائية لصديقاتها واصدقائها ومن بينهم سمير . وكان سمير محور الحفلة . كان الجميع يتحدثون عنه وعن اجادته دور العاشق في رواية البارحة . وتشجعت اكثر الفتيات فأخذن يطرحن عليه السؤال تلو السؤال . هل كنت تعني ما تقول ؟ وهل يستطيع الممثل ان يجيد دوره ان لم يكن يؤمن حقيقة بما يقوله ؟ وكانت سعاد اجرأ الجميع فسألته : هل سبق له وأحب قبل اليوم حتى استطاع ان يؤدي دور العاشق بمثل هذه البراعة ؟
وهل حقيقة يؤمن بهذا النوع من الحب العذري ؟
وكان سمير يبدو مرتبكاً ، متضعضعاً وهو يتطلع الى سعاد فيصغي اليها بكل جارحة من جوارحه ، حتى اذا توقفت عن اسئلتها راح يمدحها بكل ما فيه من قوة عن معنى الحب العذري وعن قدسية هذا الحب وطهارته :
« إنّ غاية الحب يا سعاد هي في رضى نفس الحبيب تأنس الى حبيبها ، وهي في هذه اللذة المعنوية تسيطر على الحبيب وتشغل كل كيانه لان حبيبه سعيد بعيد عن كل هم ، خال من كل شقاء . . .
« ليتك تعرفين يا سعاد كم يسعد المحب الحقيقي عندما يرى حبيبه متنعماً بالسعادة في الحياة ! ليتك تذوقين طعم الحب الصحيح إذن لشاطرتني رأيي ولعلمت أن شباب اليوم تائه ، ضال في حبه لا يدري كيف يتلمس طريقه . . .
وكان سمير وهو يتكلم كأنه شعلة من النار ، وكانت سعاد تنظر الى عينيه السوداوين نظرات كلها خبث ودهاء فتود لو استطاعت
أن تسكته عن هذا الحديث التافه بسيل من القبلات الحارة الملتهبة ، تطفئ بها ما تأجج في قلبها من الحب المضطرم .
وكانت الموسيقى ترسل في جو الصالون الحاضن الناعمة والشباب يتهادى في نشوة من المرح والعبث ، وقد استسلم الجميع ازواجاً ازواجاً في حلقات من الرقص !!
- ألا تحب الموسيقى يا سمير ؟
- انني أذوب شغفاً في الموسيقى . . .
- قم نرقص إذاً على هذه الالحان الخلابة
- انني أكره الرقص يا آنسة ولا يستسيغه ذوقي .
وارسلت سعاد قهقهة ارتجّت لها أنحاء الدار ولفتت انظار الراقصين والراقصات فجاء بعضهم يستفسر عن ذلك . فقالت سعاد :
- اسمعتم ما يقوله سمير ؟ إنّه يكره الرقص ويمجّه ذوقه . . . كأنّه يعيش في القرون الوسطى » . فضحكت الأوانس


