
كثر الكلام في التعليم عامة، وتعددت الآراء في تعليم الفتاة خاصة، ولا نستطيع الجزم نهائياً بمبدأ يجب اتباعه او طريقة لا بد من اتخاذها كنهج لا تسير الحياة الا به، اذ ان طبيعة الانسان تختلف من فرد الى آخر، كما تختلف من جنس الى جنس، وعلى المربين الانتباه قبل ان يقرروا اي شيء يصبح قاعدة متبعة فيما بعد. وقد تصدى اكثر الكتاب لهذا الموضوع - اي موضوع التربية والتعليم - من الفلاسفة الى المربين فالسياسيين وغيرهم، فقال افلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد: « غاية التربية ان نفيض على الجسم والنفس كل جمال وكمال ممكن لها » كما تبعه ارسطو - ابو الفلسفة - فقال: « التربية اعداد العقل للتعليم كما تُعد الارض للبذار. » وقد اهتم المحدثون بهذا الموضوع كاهتمام القدماء به بل اكثر، فجاء ( كنت ) الفيلسوف الالماني في القرن الثامن عشر وقال: « التربية ترقية جميع اوجه الكمال التي يمكن ترقيتها في الفرد. » اما ستوارت مل في القرن الماضي فقد وافق سبنسر في اوائل القرن العشرين فزعم بان « التربية هي اعداد المرء لان يحيا حياة كاملة. » واذا جمعنا هذه الاقوال معاً فاننا نقرر حينئذ مع الاستاذ امين قنديل في كتابه اصول التربية بان « التربية هي التأثير بجميع المؤثرات المختلفة التي
يختارها قصداً اولو الامر في مجتمع ما ليعينوا بها الطفل على ان يترقى جسماً وعقلاً واخلاقاً حتى يصل تدريجياً الى اقصى ما يستطيع الوصول اليه من الكمال ليسعد في حياته الفردية والاجتماعية ويكون كل عمل يصدر عنه اكمل واتقن واصلح للمجتمع مما لو ترك من غير تربية »
وتقسم التربية عادة الى تربية عقلية وتربية جسمية وتربية خلقية. فالعقلية تعنى بترقية العقل من جميع نواحيه وتدريبه تدريباً منتظماً على التفكير الصحيح حتى يستطيع ان يُحسن ادراك ما تحيط به من المؤثرات المختلفة والظواهر المتعددة ادراكاً صحيحاً ويكون حكمه عليها سديداً موفقاً. اما التربية الجسمية فهي العمل على تنمية الجسم نمواً طبيعياً متزناً، وتقويته وصيانته حتى يستطيع ان ينهض بالاعمال المتنوعة والتكاليف الكثيرة التي تفرضها عليه حياته الشخصية والاجتماعية، وليقاوم الامراض المتعددة التي تهدده، وقديماً قيل « العقل السليم في الجسم السليم » فصحة الاثنين ضرورية لسعادة المرء. والخلقية تعمل على تعديل الغرائز والميول الفطرية الضارة بالمجتمع اذا تركت وشأنها وذلك برفعها الى مستوى عالٍ وبتوجيهها وجهات اخرى صالحة.
وما لا شك فيه ان التعليم اذا حسنت طرائقه ينتج نتائج عملية ذات
فائدة كبيرة، والا كان العكس. ويعود السبب هنا الى طريقة التعليم واحسن طريقة يمكن اتباعها هي الطريقة الوسط بين النظام اللاتيني في التعليم الذي يؤلف النظري جزءا كبيرا منه - والانجلوساكسوني الذي يترك للعملي مجالاً واسعاً فينشأ الفرد على اتخاذ المعلومات من الكتب ليطبقها في الحياة اليومية.
والآن - لنأت بعد هذه المقدمة العامة في التربية الى ذكر ما اراه ملائماً لطبيعة الفتاة وطبيعة الحياة نفسها في تعليم فتاة اليوم وام الغد او عالمته. اننا نلاحظ الاختلاف البيّن بين الطفلة والطفل منذ السنة الاولى من حياة كل منها. فالطفلة تميل بطبيعتها الى الحنو على لعبتها، فتقلد امها في معاملتها لاختها او اخيها الاصغر بينما الطفل في هذه السن يأخذ الحصان او المطرقة بدل العروسة ليلعب بها ويلهو اكثر وقته. وهكذا يتجلى ميل الفتاة منذ الصغر الى وظيفتها الطبيعية في الحياة الا وهي العناية بالمنزل وبافراده، كما يميل الولد الى العمل اليدوي الذي يتطلب القوة العضلية خاصة. وتنشأ هذه الميول نفسها في طور الولودية كذلك فتميل الفتاة بطبيعتها الى الحياة الهادئة والمنزلية منها كما يتخذ الفتى طريق العمل والركض او تمثيل ادوار الجيش والالعاب المشابهة التي تنم عن ميل نحو القوة والرجولة.
هذا من الناحية الطبيعية في الاطفال ولكننا نأتي هنا فنتساءل كيف تكون ثقافة فتيات وفتيان هذا العمر؟ لا بد ان يكون للاعمال اليدوية والتعليم النظري المقرون بالعملي - لا بد لها ان تشغل قسماً كبيراً من برامج تعليم الاولاد