هناك ظاهرة نفسية عجيبة يكاد الانسان ينفرد بها وحده دون بقية الكائنات تحمل في ذاتها سراً عجيباً ، يبعث على الحيرة والذهول .
فهي تارة صارخة وتارة صامتة - تارة ساخطة وطوراً راضية .
هي تبدو ابداً في الوان مختلفة ، وتنبعث منها شتى المعاني .
فكل رنة من رنّاتها تكشف للعين لوناً خاصاً من الوانها ، وتحمل الى النفس معنى من معانيها ! هي احياناً زفرة عندما يرسلها الصدر لينفرج بها عن اثقاله ؛ وهي احياناً صاعقة تسحق ما تنصب عليه ؛ وهي احياناً نسمة وكأنها تهب وادعة من « اوقيانوس سحيق » قد صعد غوره في ساعة صافية الى سطحه ، فبدا جلياً لا غموض يكتنفه .
ضحكة الانسان ! تلك هي الظاهرة النفسية العجيبة التي ينفرد بها الانسان دون بقية الكائنات !
ضحكة الانسان ! تلك هي من بين البوادر النفسية ، البادرة المحاطة بالالغاز من كل الجوانب !
مَنْ من الكائنات استطاع ان ينفذ الى صميم نفسه ليسبر اعماق الضحكة التي يصعدها الصدر منه ؟
مَنْ من الكائنات استطاع ان يدقق في البواعث النفسية الدفينة التي تطلق الضحكة من قيودها وترسلها اما زفرة واما نسمة واما صاعقة ؟
عِنْدَمَا يَضْحَكُ الْإِنْسَانُ
اود لو يتاح لي تأمل كل وجه ترسم عليه الشفاه هذه الضحكة في كل حالة من احوالها وبوادرها ليتسنى لي رؤية انطباعاتها عليه عندما تكون ساخطة او راضية ، ساخرة ام غاضبة !
اود سماع كل حنجرة ترسل رنين هذه الضحكة او تفجره انفجاراً !
بل اودُّ اكثر من هذا ! اود ان اجس بيدي جوانح القلب التي منها تنبعث الضحكة وتنطلق ، لكي اتحسس خلجات الصدر وهو يُنَفِّس بها اما عن فرحته واما عن كربته .
يضحك الانسان لانه حي ، ولانه انسان تزخر في اعماقه الحياة على اختلافها وتنوعها !
يضحك الانسان بقدر ما يكون شعور الحياة فيه قوياً !
يضحك الماً لانه كما قال عنه نيتشه : الحيوان الوحيد الذي يعي المه !
يضحك شاكاً ويضحك باكياً - أفما سمعتم مرارة الشك تشيع احياناً من رنين ضحكته ، وصريخ البكاء ينبعث من قهقهتها ؟
ويضحك ساخراً ، ويضحك غاضباً ! هلاّ سمعتم لذعات السخرية تقهقه هازئة من خلال ضحكته ؟ وهلاّ سمعتم عويل الغضب يلعلع في صيحة هذه الضحكة ، فيموجها في الهواء كما تتموج فيه تيارات الجو عندما تغضب الطبيعة وترجو ؟
ضحكة الانسان ! تلك هي الظاهرة النفسية العجيبة التي تعلن عن شخصيته وتبرز حيويته في شتى احوال الحياة ، فتظهره انساناً تهتز اعطافه لكل احساس من احاسيس الحياة ؛ تظهره انساناً يفرح ويتألم ، ثم يسخر ويشكك ، حتى يساوره الايمان ثم الطمأنينة !

