أظنكم توافقوني على أن الفش أو الخشب أو النشارة ليس فيها ما يفتح الشهية ، أو يغري بالأكل ، حتى ولو كانت هذه الأشياء مواد غذائية . ومع ذلك فقد استخرج العلماء في السنوات القليلة الماضية أطنانا عديدة من الطعام الطيب من هذه المواد بالذات . ولا يستبعد أن نسمع في المستقبل ، الكثير عن البروتينات ، وهي التي تكون اللحوم ، وكيف نحصل عليها من الأخشاب أو الفش أو النشارة . نعم قد لا يكون الأمر كذلك في إنكلترا ، ولكن قد يكون في المناطق التي تكثر فيها الأخشاب ، كالسويد والولايات المتحدة ، أو بعض أنحاء رابطة الشعوب البريطانية .
شاهدت في خلال زيارتي الأخيرة لألمانية ، ما كان العلماء يقومون به من جهود مماثلة لإنتاج المواد الغذائية اللازمة للإنسان والحيوان . والنظرية الأساسية المتبعة في الحصول على المواد الغذائية من الأخشاب ، هي أن يحول الخشب أولا إلى سكر . قد يتأتى ذلك عن طريق مزج النشارة أو شظايا الخشب أو الفش بأحماض معينة ، أو قد ينتج السكر بصورة فرعية من عملية تحويل لباب الخشب إلى الريون أو الحرير الصناعي . وفي هذه الحالة نجد السكر ممزوجا في السائل الفائض ، الذي ينتج عن العملية الرئيسية . وسواء اتبعت هذه العملية أو غيرها ، يؤتى بالسكر ويخمر بطرق مختلفة ، باستخدام أنواع من الخميرة ، فيتحلل إلى كحول أو خميرة غذائية أو إلى كليهما . ونظريات التخمير التي تقوم عليها طريقة إنتاج الخميرة الغذائية ، هي نفس النظريات التي تتبع في استخراج الخميرة الغذائية من العسل الأسود أو الدبس ، وهي طريقة يميل العالم الآن إلى اتباعها بشكل عظيم . وكل ما على المرء أن يفعله لتخمير الخميرة ، هو أن يضيف إليها - إلى جانب السكر - شيئا من الندروجين على أي شكل من أشكاله .
ومن الملاحظ أن طبيعة المواد المنتجة جيدة من الناحية الغذائية . فالبروتينات كما تعلمون تنقسم عادة إلى بروتينات « درجة أولى » ، كذلك التي نحصل عليها من اللحوم ، وبروتينات « درجة ثانية » ، كالتي
نحصل عليها من الخضروات . وما الخميرة إلا مركب عضوي نباتي ، غير أن نوع البروتين الذي نحصل عليه منها جيد . وقد وجد أن الخميرة الجافة تحوي على الأقل أربعين أو خمسين في المائة من هذا البروتين أو النتروجين ، وما به من مواد غذائية .
وقد عرف العلماء الآن عن كيفية الحصول على خميرة الطعام من الخشب ، ما يكفي للحكم بأن هذه العملية قد انتقلت فعلا من طور التجربة ، بل ويمكن أن تصبح مشروعا اقتصاديا مربحا في بعض أنحاء العالم . ولا جدال في أن إنتاج الطعام والمواد الغذائية من هذه المصادر التي ذكرتها آنفا ، ولا سيما في الوقت الحاضر حيث يشعر العالم بعجز هائل في البروتينات ، أقول لا جدال في أن إنتاج الطعام على هذا الشكل أمر عظيم النفع . حتى بغض النظر عن العجز المؤقت ، توجد مناطق في العالم تشعر دائما بعجز في البروتينات ، ومن ثم كان من الأصوب البحث فيها إذا كان من المرغوب فيه إنتاج المواد الغذائية من الخشب وغيره من المزروعات . ولا ننسى أن الخميرة التي نحصل عليها بهذه الطريقة ، تحوي كميات عظيمة من فيتامين « ب » الضروري للمحافظة على الصحة والنمو .
وهناك من أنواع الخميرة ما يصلح لإنتاج الدهن ، وقد نجحت بعض المعامل نجاحا باهرا في إنتاج الدهن ؛ ولكن لا بد من مضي وقت قبل أن تصبح هذه العملية مدرة للربح . وإذا ما استعادت إمدادات الشحوم مستواها السابق ، فلا يحتمل أن يستمر العلماء في مواصلة هذا المشروع . ولكني لا أكون مغاليا في الوقت الحاضر إذا قلت إنه يمكن من الناحية العملية الحصول من لوح واحد من الخشب على قطعة من « البوفتيك » ، وزجاجة من الوسكي ، وزوج من الجوارب الحريرية للسيدات ، وربما على كيلوبين من الحلوى أيضا .


