تابع المنشور على الصفحة ٥
الراقصات ضحكات فيها معنى الهزء وفيها معنى السخرية وكأنهن يقلن مسكين ! (رحمي) ! ...
وتقدم أحد الفتيان من سعاد يطلب اليها ان تراقصه فلبت طلبه بسرور بعد ان رمت سمير بنظرة حاولت ان تثير بها غيرته واهتمامه بها .
اما سمير فانطوى على نفسه كأنه أصيب بضربة خنجر ، ولكنه حاول ان يكتم آلامه جهد المستطاع . ولما لم يستطع ان يضبط عواطفه ، خرج من الدار الى الشرفة يصغي الى الحان الموسيقى بعيداً عن الراقصين والراقصات ! ولكنه لم يستطع ان يطمئن الى هذا الجو . وكان يشعر كأنه غريب عما يدور حوله . وهل تكذبه نفسه ؟ ألم يتمن في قرارة نفسه اكثر من مرة ، لو تتاح له الفرص فيجتمع بسعاد التي كثيراً ما هفا اليها قلبه وتمنى لو حظي بنظرة من نظراتها ؟ وها هي الان أمامه وها إنه مدعو الى منزلها ، لا بل هي تلح عليه في مراقصتها فلم يتهرب منها ؟ ولم يشعر بانقباض يجم على صدره ويتملك جميع اعصابه ؟
وفجأة تظهر سعاد على الشرفة وفي فمها سيكارة وفي يدها سيكارة ثانية مشتعلة فتقدمها لسمير قائلة : ها اني قد اشعلت لك سيكارة تروح بها شيئاً من همومك المتراكمة عليك يا سمير .
- شكراً يا آنسة سعاد ... فأنا لا أدخن .
- ولكني كثيراً ما رأيتك تدخن وانت واقف في شباك غرفتك ، فما بالك كثيراً هذا المساء ! قالت ذلك ومدت يدها تحاول ان تضع السيكارة في فم سمير وهو جامد كأنه صنم ... وعجبت لهذا المخلوق الغريب لا يخفق فيه عرق ، ولا تنبض فيه عاطفة وهو الذي اظهر في تمثيل الرواية ليلة البارحة ضرباً من الحب تضمه في مصاف أكبر المحبين ! وها إنه ينظر اليها نظرات فيها ما فيها من معاني الحب والهيام وهي تشجعه على ذلك فلماذا يقف اذا امامها جامداً كأنه لا روح فيه ولا حياة !!
وشعر سمير بأنه بحاجة الى الوحدة والانفراد فاعتذر الى سعاد واستأذنها في الانصراف فتعجبت من ذلك وحاولت عبثاً ان تحمله على البقاء ! وما كاد أن يودعها حتى عادت مغضبة الى حلبة الرقص وتركت لنفسها العنان وراحت في ثورة من ثورات
النفس المجنونة ، تعب كأس الخمرة تلو الكأس ، وهي تنتقل من شاب الى آخر ، تراقص هذا وتداعب ذاك ، حتى أضنت قواها وسقطت من الاعياء مرتمية على أحد المقاعد في شبه ثورة محمومة !! ...
واستمر الحاضرون في عربدتهم يشربون ويأكلون ويرقصون الى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل . فودعوا سعاد وتركوها فريسة للقلق والهواجس . جرت نفسها جراً الى غرفة نومها تحاول ان تجد فيها شيئاً من الراحة لتهدئ ثورة اعصابها المضطربة .
يا للعجب ! ماذا ترى ؟ هذه غرفة سمير لا تزال مضاءة ؟ وما تراه يفعل حتى هذه الساعة ؟
إذن لم يكن كما ادعى ؟ ها هو مكب على مكتبه ودخان السكاير ينعقد في جو غرفته سحائب سحائب !! يا للماكر الكذوب !! انه لا يدخن !
وتحاول ان تلفت نظره اليها بشتى الوسائل فلا تستطيع .
فتضيء الغرفة ثم تطفئ نورها مرات متوالية فلا ينتبه !
ثم تقف في الشباك وتضرب بيدها على الحديد فلا تفتر له يد ولا يميل له رأس ... واخيراً تصمم ان تنام وتأخذ في عصبية ظاهرة تتخلص من ثيابها فترمي بها هنا وهناك وعيونها في كل ذلك ، مصوبة نحو الشباك تنظر الى سمير هل يتطلع اليها ؟ هل يراها ؟ لماذا لا ينظر اليها يا ترى ؟
ويلمع في رأسها خاطر فجائي !
يا للهول !! ولكن ... لا ... لا ... لن تخسر هذه الفرصة السانحة ... وتضع فوق بيجامتها معطفها الغنائي الجميل وتنسل من غرفتها انسلال الحية بعد ان تطفئ النور .
- يا للمجنون !! هذا انت ؟
- أجل أنا ... لماذا تركتنا يا سمير وجئت تسهر وحدك الى مثل هذه الساعة المتأخرة في الليل ؟
- ولكنك مجنونة ... هل تجهلين أنك تعرضين بسمعتك وشرفك وشرف عائلتك ؟
- شرفي ؟ وشرف عائلتي ؟ انك أبله يا سمير ... ولكني اكاد اختنق من هذا الدخان الذي يملأ جو غرفتك ... ولكنك لا تدخن ! اسمح لي ان اخلع معطفي ... ورمت بمعطفها على سرير سمير فبدت ، وهي في بيجامتها الحريرية
الشفافة كحورية من حوريات الجنة ! ...
ولم يصدق سمير عينيه . ولكنها هي سعاد بعينها وهي في غرفته في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل ! ماذا تراه صانعاً ؟ ماذا يقول ؟ كيف يجب ان يتخلص من هذا المأزق الذي رمته به سعاد ؟ ولاحظت سعاد حيرة سمير وشدة ارتباكه فتقدمت منه ملاطفة واخذت يده بيديها الاثنتين وقالت بصوت متهدج ، مغر :
- سمير ... حبيبي ... ان في عينيك سحراً لا يقهر ، وعلى جبهتك العريضة السمراء تلوح علام الرجولة الحق ، وعلى شفتيك تيه أطياف حلوة من الحب الصارخ والشهوة الملحة ... فلم هذا الجمود ؟ والى متى هذه البرودة ؟
قالت ذلك وأخذت رأسه بين يديها الاثنتين وارتمت على شفتيه تمطرها بوابل من القبل الحمراء الملتهبة ... وكانت ، وهي تقبله تحاول ، بكل ما أوتيت من قوة ودهاء ان تظهر جميع ما عندها من ضروب الأغراء والاغواء لتثير حواسه وتلهب عواطفه ... واستسلم سمير لهذه التجربة الجديدة التي لم يتعود مثلها في حياته كلها فأخذه شيء من الجمود فلم يفه بكلمة ولم يبد من أقل شيء بدل على الممانعة او الرفض . ولاحظت سعاد أثر إغرائها في سمير فقررت ان تنال منه اقصى ما يمكن فجذبته من يديه الى المقعد المجاور وراحت تداعب شعره ورأسه وسمير مستسلم كطفل صغير على صدر أمه ...
وكانت الخمرة قد لعبت في رأس سعاد وأخذت منها كل مأخذ وانستها كل حشمة وأدب ، فضربت بالحياء عرض الحائط وظهرت امام سمير في وضع مثير ، معيب ... وكانت عيناها المحمرتان تنظران اليه بذلة وانكسار كأنهما تتوسلان !! وانتفض سمير فجأة كأنه يستفيق من حلم مزعج ، وقال :
- سعاد ... سعاد ... ويحك ... ماذا فعلت ؟ أصدق عيني ؟
- سمير ... حبيبي ... انا لك ... فخذني بين ذراعيك القويتين ... ولم يدعها تكمل حديثها بل هب من مكانه كالصاعقة واندفع نحو الباب الخارجي تاركاً سعاد في ثورتها الجامحة المجنونة ...
مضت على هذه الحادثة سنة وبعض السنة لم تجتمع سعاد فيها بسمير ؛ وعندما تسأل عنه
