وقال آخر : وما يضيرنا الا نكون هذه المأفونة موجودة في المعبد ولما يتغيب الاها من نساء بابل ؟ !
وفي هذه اللحظة صرخ الكاهن : لتكن ابنتي ملعونة اذا لم تحضر الساعة .
وسمع صوت خفيض يلجلج : إنها مريضة يا سيدي ، وترجو اليك ان تعفيها من المجيء الليلة .
ذاك كان صوت خادمها الامين الذي جاء
الساعة ليعتذر للكاهن عنها - بعد ان ارسل في طلبها - ولكن الكاهن اجابه بصوت راعد تجاوبت اصداؤه في فضاء الهيكل : بل يجب ان تأتي الآن ولو كادت روحها تبلغ التراقي !
وانسل القادم نحو الباب مطرقاً ، وحبس القوم انفاسهم كأنما راعهم الموقف الجديد من نوعه ، او كأنما انقلب حنقهم على « لولا » جملة واحدة الى حدب عليها وحب لها .
ومرت الدقائق تترى ، وتضوع اريج
البخور في ارجاء الهيكل ، وفتح الباب اخيراً ، واطلت منه « لولا » بقامتها الهيفاء وقد تلغمت بنسيج قاتم فلم يظهر منها الا الجانب الاعلى من محياها ، وقد بدا الذبول في عينيها السادرتين ، وابتدأت الاناشيد ترتفع في هدوء وخشوع ، وبدأ الرجال يمرون صفوفاً ، منتظمة ، بين صفي النساء ، وقد امتد بين الفريقين خطان من الجبال . وطفق الرجال ينتقون من تقع من نفوسهم موقع الهوى ...
ووقف احدهم حيال « لولا » متهيأ خاشعاً ، وعندما التقت عيناها وعيناه أحس كأن الشرر يتطاير منها وشعر كأنها تأمره باحترام مشيئتها ولكن قوة فعالة من اعماق نفسه ، او على الاصح ضعفاً محسوساً في اعماق تلك النفس تغلب على كل قواه النبيلة ، وجعله يغض عن ذلك الشرر ، ويتناسى تلك المشيئة ، ولا يعوج بها ، وفي مثل خفة البرق امتدت ذراعاه تجذباً اليه بعنف ، ولكن يديها النحيلتين ، كانتا اسرع الى رده عنها ، والى صفعه ، وقدميها الكليلتين كانتا اسرع الى الهرب منه .
ولكن الى اين ؟ ؟ ، ووقفت في احدى زوايا الهيكل تلهث اعباء وقد انحسر اللفاع عنها ، فظهرت كتمثال فيه الكثير من معاني قوى التمرد والعصيان !
وضج الهيكل بالاصوات ، وشده بعض القوم ، وأعجب البعض الاخر ، وأنصتت « لولا » الى كلمات الاستنكار تنهال عليها دون ان تعي منها شيئاً .
لترجم المخالفة . لتسجن الكافرة . لتكن عبرة لمثيلاتها المتمردات . لتمزق تمزيقاً على اقدام الالهة الغضى .
على ان يداً لم تمتد الى « لولا » بسوء ولو انها امتدت لما احست « لولا » بألم ، ولما شعرت بمهانة او بضيم . ذلك لانها كانت تصغي بملء روحها الى صوت أقوى من تلك الاصوات جميعاً استولى على شعورها واضاء جبينها بنور قدسي ، ودفعها بقوة لا قبل لها على ردها الى اعتلاء احد التماثيل حيث اشرفت منه على الجمع المضطرب ، ثم صرخت بملء قوتها الانثوية ..
ترى ماذا جئت يا هؤلاء !! ؟
ألاني استنكر عادة مرذولة اقتبستموها عن آبائكم واجدادكم ؟
ألاني اهزأ بعبادة تؤدوها عن طريق الاثم والفجور ؟

