
قضاء ما تبقى من اجازتهما فيها فأجابها الى ذلك لان لها دالة كبيرة عليها ؛ وعتبت على والدي لانه لم يقترح الانتقال من مجمدون حتى مساء امس ، كما انها أثنت على ذوقي ... اذ تحدثت لها طويلاً عن منطقة الشوير ووصفتها لها بأنها عروسة المصايف اللبنانية على الاطلاق
تقع الشوير في وهدة منخفضة تحدق بها الجبال من اطرافها ، فترى صنين الشاهق قائماً في شمالها يكتنفها ويحرسها من لفحات ريح الشمال ، وترى الدور والقصور منتشرة بين الهضاب والاحراج تحتضنها وتشرف عليها وترحب باللاجئين اليها من القيظ الصاهر إمتاعاً للنفس بما حوته من فتنة وجمال .
أتمنا نزل القاصوف في حوالي الحادية عشرة قبل الظهر وجلسنا على شرفته نتبع النظر بما يمتد امامه من روابي وأكام ، تنتقل الشمس الفاترة عليها وترسل اشعتها على بقاعها فتطبعها بألوان مختلفة تبدو البقاع منها : خضراء متألقة ، وزيتية قاتمة ، وعسجدية وبنفسجية و ... و ... ! فلا يستطيع المرء الا ان يجد الخالق امام امثال هذه المناظر التي تبهر الانظار وتأخذ بالالباب !
أشار والدي بيده الى الرواسي التي تظهر في غرب ظهور الشوير قائلاً :
- هذه جبال كسروان يا سلوي هائم وفيها قرى جميلة للاصطياف ستزورها معاً ان شاء الله .
فأجابته فوراً :
- اني اكتفي ايها العم بالظهور وأنا على يقين من انه لو وُجد في العالم مثل هذا المكان فلن يوجد ابدع منه ولا أروع !
وبعد ان تناولنا طعام الغداء والتهمناه التهاماً ، صعدنا الى غرفنا طلباً للراحة واخلدنا الى الدعة ، غير ان سلوى ارجأت نوم القيلولة والراحة الى ما بعد عودتها الى مصر وجلست تتأمل الطبيعة وتناجيها ... ولما نهضنا في الخامسة ، جمعنا البهو ثانية فتناولنا الشاي معاً وخرجنا نتمشى الهوينا على الطريق العام . وما ان تجاوزنا الفندق حتى انتشر الضباب وعم صنين ، وغمر الوادي وحجب الشوير ، فوثبت سلوى اعجاباً لما ترى واخذت تستنشق وتعب الهواء الندي عباً وتصرخ وتقول :
- نحن بين السحب ! نحن في الدباء !
فكم اعجبت سلوى بالضباب وكم سُرَّت لانها رأته هكذا قريباً للمرة الاولى ، يكسو الارض ويغمر الانسان ويحجبه عن اخيه ، ويا له من ضباب عذب حيناً يمر سريعاً ويبيت في الاودية ، كأنه قطعان ماشية كثيرة العدد !
ظلت سلوى تقفز وتلعب الى ان قالت لها والدتها :
- اهدأي يا سلوى ، فانه لا يحسن بك ان تتوثبي هذا التوثب في الطريق ، فلربما اصطدمت مع احد المارة من حيث لا تريدين !
فأجابتها سلوى :
- نحن الآن في الجبل يا اماه ، لنا الحرية ان نفعل ما نريد ، وانما العيش مع الطيش !
وما انتهت سلوى من قول جملتها المأثورة حتى التطمت بفتاة لعوب ، سمعتها واقبلت عليها من خلفها قصداً ... فكانت منا جميعاً موجات هرج ومرج لا تنسى !