الخيال المبتكر ظاهرة طبيعية في الاطفال ، قلما تظهر قبل السنة الواحدة والنصف من العمر عندما يتمكن الطفل ان يمشي ويختبر بنفسه جميع ما تقع عليه عيناه او تتناوله يداه . فعندئذ يطيب للطفل ان يركب العصا ويدعوها حصاناً سباقاً ، وللطفلة ان تلف المنشفة وتوسدها ذراعها كأنما تحضن طفلتها الجميلة ... ويتطور الخيال المبتكر عندهم حتى اننا لنرى اطفالاً ذوي اعمار متقاربة ، يمثلون رواية ، جميع افرادها خياليون ويحافظون كل المحافظة على ما تتطلبه ادوارهم من دقة واتقان .
ويحملهم خيالهم للتعجب من الظواهر الطبيعية ويعللون اسبابها حسبما يوحيه اليهم خيالهم المجرّد عن الحقائق العلمية . ولذا فعندما نحكم على تفكير الطفل واستنتاجه العقلي ، يجب ان لا يغرب عن بالنا انه يعيش في دنيا الخيال ولا اثر عنده للمعلومات العلمية التي تسيطر على الكون . فهو يعجب لماذا لا تسقط النجوم على رؤوسنا كما يسقط التفاح والمشمش عن الشجر ، ولماذا لا يغير الناس عيونهم وارجلهم كما يغيرون ثيابهم ... فيجب ان لا نضحك منهم بصدد اسئلة كهذه ، بل لتكن اجوبتنا من الصحة والبساطة بحيث نفهمهم عقلياً وخيالياً وتشبع غريزة حب المعرفة فيهم .

(١) سرمد عمره اربع سنوات . تعلم من جده نتيجة اسئلته الكثيرة بان الله عز وجل هو الذي يبعث الينا من الماء طعاماً لنأكل وثياباً لنلبس ويكافئ الناس حسب استحقاقهم . وطلع سرمد للجبل وشاهد الضباب لاول مرة في حياته فسألته اخته الصغرى : « هل هذا بحر يتقدم نحونا حتى كأنما سيسطو
علينا ويبتلعنا ؟ » فطمأنها اخوها بلهجة الكبير للصغير قائلاً : « لا تخافي ، ليس هذا بحراً ، ان هو إلا الماء تنزل الى الارض وتمر بجميع الناس فيأخذون منها حاجتهم من طعام وشراب وملبس »
فهذا سرمد رأى ظاهرة طبيعية عظيمة بنظره فعجز عن فهم اسرارها العلمية فنسبها لله وساعده على تكوين خيالاته الشبه بين الضباب والغيوم التي كان يحسبها ماءً ، ولزيادة التأكيد اسرع لامه مستفسراً عن صحة تعليله فجلست معه على الشرفة ، وفي جوّ يكتنفه الجد والتفاهم المتبادل ، اخبرته قصة الضباب . بعد برهة مرت به ثانية فسمعته يعيد القصة لاخته ، محاولاً تصحيح زعمه الاول واخته تصغي ، موافقة بإمارة الرأس ، وتمنعها سنتاها الثنتان عن تفهم الكثير من مغزاها .
(٢) جلست مرة اراقب اطفال الحضانة اثناء لعبهم بالرمل في الحديقة ، فرأيتهم انقسموا الى فريقين : فريق يمثل دور الضيوف وقد جلسوا على حافة حوض الرمل وقام الفريق الثاني يملأ القوالب الصغيرة رملاً ويقلبها على قطعة من الخشب يستخدمها كصينية ويقدمها للضيوف كعكاً وحلوى والضيوف يتناولونها بجد واهتمام ويشكرونهم عليها . فراقني منظرهم وسعة خيالهم وكان الوقت قد أزف لدخولهم الصف فتركتهم


