بناة الثقافات المتعاقبة. ومياه المتوسط عند دغدغتها شواطئ لبنان يستحيل لونها فيروزي حاد، مخطط بالالوان الزرقاء والخضراء والبنفسجية. وثلوج الشتاء، في صفاء هذا الجو اللبناني اللامع، تتوج اعالي صنين والكنيسه وحرمون وغيرها من الجبال بحلة من اللون الذهبي الابيض الوهاج. والمياه العذبة المتدفقة في «سير» و«افقا»، المتفجرة من بطون الجبال، تروي الوديان الخضراء. ايما توجهت في هذه البلاد المتناهية في القدم تجد النضارة والحيوية والنشاط في المناظر الطبيعية مما يثير النفس والعين.
لقد قضينا اكثر اواخر الاسبوع ونحن نزور ونرسم مناظر الطبيعة في اماكن متعددة. وقد كانت مغامراتنا مدعاة للبهجة والسرور، على الاخص لما لقيناه من الضيافة العربية التي يمكنني ان اقول بانه لم يبالغ بوصفها مع انه كتب عنها الشيء الكثير. ففي رحلاتنا لكافة انحاء البلاد وباختلاطنا مع سكان القرى والمزارع قد لقيت من الترحيب الحار ما يجعلني اعتقد بوجود
هذه المزية الكريمة عند كافة أبناء البلاد. فالنساء والبنات ينحنين من على شرفاتهن ليقلن لك عند مرورك «تفضل، أهلاً وسهلاً ومرحباً». والرجال المارين مشياً على الاقدام او الراكبين على ظهور الدواب يجيئونك بكلمة «صباح الخير او مساء الخير». ومن كان منهم في اميركا يكلمونك بالانكليزية قائلين: «ألا تريد ان تدخل وتأخذ فنجاناً من القهوة؟ اذا كنت بحاجة لشيء فانا احضره لك. قل لي اذا كان بامكاني ان اقضي لك حاجة او ان اؤدي لك خدمة».
اما البنات الصغار فيقدمن لك ازهار الجنان والفاكهة. وعندما كنت ارسم مناظر الجبال الحمراء وراء زحله، ومنصة التصوير مركزة تحت شجرة في حقل خال بعيد عن القرية، رأيت الناس يطلعون علي بصورة عجيبة من حيث لا ادري. ثم جاءت قروية بسلة ملأى بعنب الكرمة وإناء نحاسي مفضض ملأته من مياه الينبوع لتغسل به العنب. ان هذا الترحيب اللطيف الذي تلقاه ايما ذهبت في كافة نواحي البلاد يجعل كل رحلة من الرحلات مليئة بالبهجة والحبور.

