مستديم وأنين متواصل امتاز بها شوبان على سائر معاصريه . ولعل حزنه المستديم توصل به الى اعلى ذروة من ذرى الحزن ألا وهي شعار الرومنطيقيين : اللذة في الحزن من جراء كونه حزناً . وهو ما يقال بالافرنسية Le complaire dans la douleur وكم جربت جورج صاند ان تزيل عنه الكآبة ، فلم تفلح لانه كان قد يئس من الحياة منذ كان يافعاً ، اذ احب فتاة قروية تدعى ماري ودزنكا من فرسوفيا ، وقد تعاونا في تأليف عصابة التحرر معاً ، لما كانت عليه الفتاة من وطنية وقادة . الا ان اهلها منعوها عن معاشرته لانها لم تكن من مستواه الاجتماعي . وكم يؤثر اليأس في الصغر على المخيلة في الكبر . وهكذا ظل شوبان ذاك الفتى الحزين الذي كلما ضاقت به الدنيا ، وتذكر عذابه ، ركض وانطرح بين ذراعي صاند يبكي ويصعد الزفرات ملهبة ، كطفل في الخامسة او السادسة من عمره .
ما من شك في ان موسيقى شوبان ظاهرة من ظواهر النصف الاول من القرن التاسع عشر . وقد يكون شوبان نقطة تحول في فن الموسيقى كما يصفه معتنقو مذهبه . بيد انه ، على الاقل ، مرحلة في تطور الموسيقى ولا ريب . فلقد كون شوبان رويداً رويداً شخصيته الفنية ، منهجاً واسلوباً ، كما ظهرت في « موزيركا » ، وتعهدهما منذ شبابه الاول اي في السابعة عشرة من عمره حتى اينعا واثرا . وله قطعة موسيقية من اروع ما ألف تدعى « النزهة الثامنة » ، وهي وصف مجيد للصراع الذي نشب في كينونته بين الشخصية الفنية والشخصية السياسية . انها تحليل لنضوجه الداخلي في طريق الفن من ناحية ، وفي طريق السياسة من ناحية اخرى . ولعله انتهى بالتساوي بين الشخصيتين واندماجهما لتكوين شخصية شوبان في عنفوان شبابه .
ان العقد في نفس شوبان كثيرة تنتظر من يحللها الى ما عصف بطفولته ويفاعته وشبابه الاول من نقائض لم تتم تصفيتها وصراعات لم تنجل نهائياً .
ولعل مقطوعات الحانه المدعوة « باللياليات » هي التي حلت مشاكله لان النفس ترتاح الى استماعها لما فيها من صفاوة الفكر ونقاوة السريرة .
اما ادبه الموسيقي فهو ادب فردي ذاتي انطوائي مسرف في الفردية والذاتية والانطوائية . وهو لا يصور في الحانه ما يحدث في المجتمع من حوادث بل يصور ما يتولد في نفس الفرد من افكار . ولذا كانت الحانه انعكاسات صادقة امينة لذلك الشعور الثائر الذي كان ينبعث في نفسه ويوقدها ، ولذلك الصراع المتحكم بين عواطفه الجامحة وقوى المجتمع الرادعة .
وموسيقى شوبان مظهر آخر من مظاهر الثورة على العقل التي شاعت في اوروبا منذ نهاية القرن الماضي . ذلك لان فيه الانتقال من الوعي الى اللاوعي ، وهو انتقال لا تلجأ اليه الا النفس المهزومة كنفس شوبان .
ان الاحساس بالهزيمة ظاهرة من الظواهر المألوفة بين فلول المفكرين والفنانين الفرديين . ومن لم يرضَ بحاضره عاش في ماضيه ، ومن لم يرضَ بما يجري حوله انطوى على نفسه . هذا ما فكر به شوبان خلال الحانه وعاش بموجبه .
ولقد فقد صفة الكفاح التي كانت لاسلافه من الفنانين الفرديين « كشومن » و « شوبرت » و « بتهوفن » فانفصل حينذاك عن تيار الحياة وانزوى في برجه العاجي مكتفياً بتقديم ذاته موضوعاً لتأليفه الموسيقية .
مسكين شوبان . لقد عاش شهيد الوطن ، ومات شهيد الفن ، ولكن كم يكرم الشهيد بعد مماته !

