
كثرت الاحاديث في الآونة الاخيرة عن المرأة ومكانها في المجتمع ، وخصائصها الطبيعية ومهامها المعينة والدائرة المحددة لنشاطها ، او بالاحرى الدائرة التي لا يسعها الخروج عن نطاقها الا لتقع في الاخطاء والاخفاقات او لتفقد انوثتها الوادعة المحببة الى النفس ، او تهمل مهامها العائلية وهي المهام التي وجدت من اجلها . فهي قبل كل شيء زوجة وام الى آخر المعزوفة المعروفة .
والغريب في الامر حقاً اصرار البعض على الاستمرار في اسماع الناس هذه المعزوفة البالية . وقد اقول ، والمضحك في الامر ، اصرار هذا البعض ايضاً على تجاهل ما حصل في العالم من تطور في الذهنيات في هذا المضمار تطوراً أدى نهائياً الى واقع اجتماعي لسن القوانين والدساتير التي تضمن الحقوق والواجبات على اساس اخذه بعين الاعتبار . وهذا الواقع هو بروز العنصر النسائي في ميدان النشاط البشري العام .
ان احاول مناقشة اولئك الذين ما زالوا يتبسطون في معالجة هذا الموضوع على الاسس التي كان الناس يبنون عليها آراءهم منذ ثلاث او اربع مائة سنة ، بسرد الامثلة وتعيين الامكنة التي برز فيها هذا الواقع الاجتماعي الجديد ، لان الجدل في هذا الامر اصبح برأي كالجدل في امر اثبات دوران الارض حول الشمس بعد ان دخل هذا الواقع العلمي في عداد الحقائق الثابتة ، لا سيما وانه من المفروض في الذين يتوجه اليهم المفكرون او العاملون في الحقل الاجتماعي ، ان يكونوا من غير الاميين ،
بل من المطلعين ، ولو بصورة عامة ، على ما يحدث من تطورات اساسية في سير المجتمع الانساني .
ان الذي يصح معالجته من قبل المفكرين والكتاب ازاء هذه المشكلة هي قضية خلق الوسائل العملية للتوفيق بين مهام المرأة البيتية ومهامها الاجتماعية باعتبارها عنصراً فعالاً جديداً في جهاز الامة ، وهي الاسس التي تعالج على ضوئها هذه القضايا في جميع امصار الدنيا .
فاستمرار بعض المفكرين او الناشطين في الحقل الاجتماعي في لبنان ، وهو البلد الذي ما زال يعتز بانفتاحه الفكري الطليق واحترامه لاحكام العقل المحرر من جميع انواع القيود ، لغريب جداً ودليل على عناد جاهل او استخفاف كيفي باحكام العقل ؛ وهي بادرة لا تليق بلبنان من حيث انه بلد متطور مفتوح النظر .
فقضية معالجة شؤون المرأة في البلد اللبناني يجب ان تطرح على الصورة الآتية ، بعد ان اثبت الواقع في العالم ان قابلية المرأة الطبيعية للقيام بجميع ما يقوم به الرجل من مهام او عدم قابليتها لم تعد على الاطلاق موضع جدل
قلت ان قضية معالجة شؤون المرأة يجب ان تطرح على الصورة الآتية : -
اولاً - العمل عن طريق تعديل الدستور تعديلاً يتفق مع وضع المرأة
الاجتماعي الجديد ، لانتزاع اعتراف رسمي بكون المرأة مواطناً له نفس الحقوق التي للرجل وعليه نفس الواجبات .
ثانياً - السعي في سبيل خلق الوسائل العملية التي تمكن المرأة من ممارسة حقوقها الوطنية واداء واجباتها ، كانشاء شبكات تمتد من مؤسسات رعاية الطفل ودور الحضانة والمستوصفات الى اقصى وكر من البلد اللبناني ؛ ونشر التعليم الاجباري المجاني ، حتى لا يبقى مواطن يمارس حقوقاً او يؤدي واجبات ، رجلاً كان او امرأة ، الا وهو يتمتع بحق التعليم . وهكذا تزول الحجة التي يتذرع بها البعض لاقصاء المرأة عن الميادين العامة ، هذه الحجة القائلة بان المرأة مخلوق جاهل على الاجمال ، مع ان هذه الحجة يمكن ان تطبق ، وبالاسف ، على العديد من الرجال في بلادنا ، وهي من اهم العيوب التي لم يعد من اللائق ان يُلطخ بها جبين لبنان .
تلك هي ، بصورة عامة ، الاسس الصحيحة التي يجب ان تعالج على ضوئها قضية بروز المرأة ونضالها في سبيل ولوج ميادين النشاط العامة . وهي الشؤون التي يجب ان يعنى بها المفكرون والكتاب الاجتماعيون ، بعد ان اصبحت مسألة امكانيات المرأة امراً مسلماً به ، كما بات من المسلم به علمياً ان الارض تدور حول الشمس على الرغم مما صادفته هذه النظرية من مساهمات كان من المعقول يومذاك ان تكون موضوع جدل واخذ