
ألأنني اعتقد بأن الآلهة لا ترضى عن مثل هذه الاعمال الشائنة ، التي لم تسنها هي ؟
ألأنني اضن بجسمي الطاهر ان تلوثه ادران الفسق هذا ؟
ألأنني اريد ان امتتع بحريتي الشخصية فلا امشي خطوة الا بعد ان احكّم عقلي ، واقوم مبادئي ؟
ايها القوم ، انكم لتائهون . وان هذه التقاليد العمياء التي تتوارثونها دون اي تفكير او تروٍّ لسوف تسطر لكم في سجل مدنيتكم هذه وصمة عار ، لا تمحى بانحناء هذه المدينة ، اما الالهة الزهرة فهي لا تطلب منكم الا ازهاراً نقيّة لتصير ثماراً نقيّة لم تلمسها ايدي الدنس ولم تلطخها حيوانية الانسان !
يا هؤلاء ! هوذا جسمي فاسجنوه ، وهاكم جسدي فمزقوه ، اما روحي الحرة فلن تطالوها ابداً لأنها في حمى الحق ، في حمى الحرية ، في حمى السلام .
وصمتت « لولا » وكأنما خفقات قلبها بين الكلمات ، ونظرت الى القوم ، فاذا هم سكوت وقد اكبرت ثورتهم وشخصوا اليها من عيون مؤمنة ، وكادت كلماتها تفعل فعل السحر في النفوس - على ما فيها من سذاجة وبراءة - لولا ان وقف الكاهن الذي احبته اكثر مما يحب الولد البار اباه ، هاتفاً بالقوم ومشيراً بيده اليها
- انها امرأة - انها الفتنة العمياء فيا ويل من ينصت اليها .
ولو لم تك « لولا » امرأة ، لظلت انشودة التمرد هذه على شفتي كل بابلي وبابلية .
ولظلت بابل ، واثينا ، وكورنثية الى اليوم ، مهد الحضارة ومحج الفلاسفة وقبلة انظار الفاتحين .
ولكنّ « لولا » امرأة ..
والمرأة في شرع الرجل ، رجل الامس ، ورجل اليوم ، ورجل الغد - طفل جميل ولكنه خبيث ، ولذا يجب ان يستعمل الى جانب رعايته تأديبه في بعض الاحيان ، وان اعضل الامر فسحقه وابادته - هذا في حالات استثنائية حرجة لان الاستغناء عنه محال - ويا للاسف - »
ومرّت القرون يتبع بعضها بعضاً ، وقلّب
التاريخ صحائفه الضخمة ، فاذا بالقرن العشرين يبرز في آخر صفحة منه ، وقد ذخرت بالغرائب والعجائب . او بالانقلابات التي لم يسطر مثلها التاريخ من قبل .
هي ذي كلمة صغيرة جداً نفوه بها شفتا الحياة ، فاذا هي هذه الطفلة اللعوب ، طفلة لها مرح الاطفال ودعابتهم ودلهم وتحبهم ولكن عندما يخطف الموت احب الناس اليها تنحرف عن طريقهم لتقف لدى الموت الساعات الطوال تسأله لِمَ اجترأ على انتقاء والدتها دون امهات البنات لداتها جميعاً ، وعندما لا تتلقى على سؤالها جواباً ، تتحول الى الحياة - وما اجهلها بها - وتسألها ، لِمَ تركتها وحيدة من غير ان تأخذها بها رحمة . وعندما تيأس من الجواب تذهب الى الناس - اقارب ورفيقات ومعلمات وغرباء - لتسألهم الوف السؤالات ، ولكن هؤلاء جميعاً ، بما لا يبل أوارها ولا يشبع نهمها ، ولا يبلغ من نفسها ما تريد ان تبلغه هي بالذات منها ، يا للفتاة الفرقة !
ويينع عودها ، ولكن سرعان ما تمتنع عن العودة الى المدرسة فتقف سادرة مشدوهة متسائلة :
- ولكن لِمَ لا يزال اخي حراً طليقاً ؟
- لانه يا هذه صبي !
- وهل الفتاة لقمة سائغة ليخشى عليها ان تلتهم ! !
- بل التقاليد ، توجب عليها التحفظ والانزواء .
- التقاليد ، لِمَ تتمسكون بها وما انزل الله بها من سلطان ؟ !
- يا لك من متمردة ثرثارة ، أتريدين ان تغيري نُظُم الكون ؟
- بل اريد ان تتحرروا من هذه القيود البالية التي ترجع بكم الى الوراء قروناً
- ولكنك لن تفعلي شيئاً لانك فتاة ، والفتاة .. ! !
- محكومٌ عليها بالطاعة، فما يسنه لها الرجل فذاك ، وما يمنعه عنها او يمنعها عنه فيجب ان تحترمه وتقدسه !
- وبأي حق ؟
- بحق الاعتقاد السائد بين البشر منذ بدء الكون .
- والدليل ؟ ؟
- ان بعض الامم المتمدنة ما زالت حتى اليوم تحرم المرأة الحقوق السياسية في حين انها لم تحرمها الرجال ! !
- ولِمَ ؟ لانها امرأة .. لانها الفتنة العمياء ، ويا ويل من ينصت اليها .
ان لولا البابلية تُرجم للمرة الثانية وتُفرَق على اقدام الجهل والجور .
ولكن صوت الحرية الصارخ بها ابداً سيبعثها حية مستجدة القوى من جديد لتناضل وتكافح .
ورد. اما بعد ان قرّ العلم نهائياً صحة هذه النظرية ، فلم يعد من الطبيعي بشيء ولا من المنطق بشيء ، الرجوع الى مناقشتها او البحث في ظاهرات طبيعية لها علاقة بمكان الارض من الشمس ، وكأن تلك النظرية ليست بالوجود .
هكذا تكون حال الذين ما يزالون يعالجون قضية المرأة على اساس الجدل في هل هي جديرة بان تقوم بمهام المواطن الكاملة ام لا . او في الاخذ والرد من اجل تعيين مكان المرأة في المجتمع بعد ان اصبح بروز العنصر النسائي في الميدان العام واقعاً اجتماعياً انتهى الجدل في امره كما انتهى الجدل في صحة النظرية العلمية التي اشرت اليها آنفاً .
