العقلية المسيطرة علينا هي عقلية العصور البائدة . ففي مقال نشره العالم الاجتماعي الاميركي الاستاذ « ضود » باحثاً فيه الفروق بين العقلية الشرقية والعقلية الغربية ، يذكر الكاتب انه من الفروق البارزة بين العقليتين أن الأولى عقلية اتكالية والثانية تتميز بالاعتماد على النفس . فالطالب الشرقي مثلاً اذا عرضت له مشكلة او صعوبة راح يطلب حلها عند استاذه او عند شخص آخر يثق به بدلاً من ان يعمد الى حلها بجهوده الخاصة او بالتنقيب في المعاجم والكتب .
هذه الظاهرة التي حللها الاستاذ في مقاله لا تشير فقط الى اتكالية الشرقي - هذه الاتكالية التي اورثتها اياه عصور الاستعباد - لكنها تشير ايضاً الى صفة التعلق بالاشخاص ، التي تميز الشعوب قبل بلوغها طور النضوج . صفة الانقياد للزعيم ذي الصوت الجهوري ، سواء اظهر بصورة محارب فاتك ام رجل دين ام اقطاعي ام معلم .
جميع ذلك من آثار العصور البائدة . ولكنك لو انعمت النظر في مظاهر حياتنا وجمعت ما لا يزال عالقاً فيها من آثار تلك العصور ، لهالك الامر وراعتك كثرة تلك الآثار وزادت دهشتك حين تتحقق ما لها من سلطان على النفوس حتى ان بعضنا يود لو فارقته الحياة ولا يفارقه سلطان الجهل .
خذ مثلاً عادة تعليق التعاويذ على صدور الاطفال لوقايتهم من العين . ألا ترى ممارستها شائعة حتى عند الطبقة التي تدعي العلم والثقافة .
ومن صنف التعاويذ هذه العبارات المبتذلة التي يرددها المثقفون وغير المثقفين في احاديثهم دفعاً لشر العين او مجاراةً للتقليد او رغبةً في التملق والمجاملة : اسم الله . من غير شر . انشاء الله . الله يسلمه .
وهناك الاكثار من ذكر الله في الكلام وترديد الاقسام والادعية : والله . وحق دينك . وحياة ابي . الله يخليك . الله يحفظك . كل ذلك اثر ظاهر من آثار العصور الوسطى التي سيطر فيها الدين على النفوس . لكن الامر الذي لا سبيل الى انكاره ان الروح الدينية التي ميزت تلك العصور قد زالت اليوم ولم يبق منها سوى هذه الاقسام البالية والادعية الجوفاء التي تتردد على كل لسان . وقد اصاب ميخائيل نعيمه حين قال : نحن امة دينها في فمها .
ومثل الادعية التقليدية هذه المجاملات التقليدية وهذه الالقاب التي تزخر بها الرسائل العادية وعناوين المكاتيب وتقاريظ الجرائد : السيد الافخم والاكرم والمحترم والمجاهد الكبير والشاعر الملهم والاديبة الكبيرة والآنسة الرفيعة التهذيب وصاحبة الصون والعفاف . وهي ان دلّت على شيء ، فانما تدل على انحطاط في الذوق . وهناك الذين يلصقون لقب «بك» بكل اسم على الطريقة المصرية . والبكوية في نظري رمز الرجعية والاستبداد من عهد بغيض . وأولى بمن يحمل اللقب حقيقة ان يتخلى عنه فكيف بمن يتباهون بانتحاله او بمنحه مجاناً ؟
