نعود الى مباحث الاستاذ «ضود» يرى هذا الباحث في بعض مقالاته ان بين القيم التي ورثهاالعربي عن ماضيه اثنتين جديرتين بالحفظ، الاولى عزة النفس والثانية الضيافة .
ماذا نعني بعزة النفس وماذا يقصد بها الكاتب ؟ يرينا التحليل ان العبارة تعني الترفع عنكل ما يشين الانسان او يعيبه قولاً وعملاً. وانها بالتالي كلمة عامة واسعة المدلول رجراجة المعنىوليست مما يصح استعماله في كتاب علمي لانها تجمع مكارم الاخلاق وتحتمل شتى التأويلات .والذي نلاحظه ان الشرقيين يجعلونها مرادفة لكلمة الشرف وهو في نظرهم مقياس الاخلاق ثميحصرون معاني الشرف في موضوع واحد هو صون العرض اي صون المرأة والتضييق عليها ومنعهامن التبذل . وهم يسكتون عن عيوب كثيرة لا يحسبونها مناقضة للشرف . يتغاضون عنالكذب والمراوغة والنميمة والافتراء ونهب اموال الناس عن طريق الخداع والنفاق وتبذلالرجل وتهتكه وارتكابه المحرمات. وانما تقوم القيامة وتفور الدماء ويلمع الرصاص حين يصبحسلوك المرأة موضع شك وحين تتلاعب بصيتها ألسنة السوء فلا يتحرج الاخ او الزوج من الفتكبها لمجرد تهمة ولا يجد من القانون ولا من الرأي العام ما يُشعره بأن عمله جريمة وأثر من عهودالهمجية . بل - على النقيض من ذلك - كثيراً ما يسمع حوله عبارات الاستحسان والتشفيفيحسب نفسه بطلاً من ابطال الاساطير. وهكذا تضحى المرأة دون الرجل لانها العضو المستضعففي الاسرة وتتجدد عندنا حكاية الحيوانات المرضى بالطاعون .
اما الضيافة فان كانت لها حسناتها عند اجدادنا الذين خلت بلادهم الصحراوية من الفنادقووسائل الارتزاق فقد غلبت مساوئها على محاسنها في عصرنا الحاضر . لقد اصبحت الضيافةاليوم وسيلة لتشجيع الطفيليين وظهراً للبذخ والتبذير عند الاغنياء وطريقاً للرشوة وشراء النفوسمن باب قولهم : « اطعم الفم تستح العين »، وتقليداً يدفع الفقراء الى تبديد ما لهم القليلحباً بالظهور والتمويه وستر الواقع . باسم الضيافة نُحل الاجانب المستثمرين على الرحب والسعةوباسمها نجعل بلادنا ملجأ للمشردين وشذاد الآفاق . وباسمها تُبدد اموال الخزينة وتنفق علىالمآدب والحفلات بدل المدارس والمؤسسات .
منذ مدة زار توفيق الحكيم - الكاتب المصري المعروف - احد الاقطار العربية متفرجاً .وما ان نزل في احد الفنادق حتى ابلغته الحكومة انها تعتبره ضيفاً عليها وانها تسدد عنه حسابالفندق . لكنه رفض قبول هذه المجاملة. وعندما امتنع صاحب الفندق عن قبض المال المتوجبعلى الكاتب ارسله هذا الى الحكومة بصورة حوالة بريدية .
كان بوسع توفيق الحكيم ان يقبل من الحكومة ان تعتبره ضيفاً عليها وان تدفع عنه القيمةالزهيدة التي انفقها في الفندق ، لكنه اراد ان يلقي على رجال الحكم درساً ويريهم ان اموالالخزينة انما وجدت لتنفق في المشاريع العامة وان بلاداً يفتك بشعبها الجهل والامية تحتاج الى ايمبلغ من المال - مهما كان زهيداً - اكثر مما يحتاج اليه توفيق الحكيم .
ولكن مَن من المتزعمين عندنا يتعظ بامثولة توفيق الحكيم ؟
