غادرتنا الأديبة الآنسة فلك طرزي الى فرنسا حيث تقيم مدة من الزمن تتعرف خلالها الى معالم الحياة في اوروبة وقد برت بوعدها لصوت المرأة فارسلت الينا اولى رسائلها . ولا شك في ان قراءنا لواجدون في هذه الرسالة وما يليها من الرسائل لوناً جديداً من الطرافة والمتعة والفائدة على جانب كبير .




الحديث عن باريز ، حديث عن الحياة نفسها على اختلاف وجوهها وفروعها ، واشكالها ومعانيها . فهو - كالحياة - قلما ينتهي الى نقطة معينة ، وقلما يبتدئ من نقطة معينة ايضا . فقد تكون بدايته من البداية . وقد تكون من نقطة الوسط ، كما قد تكون نهايته من اية نقطة ، الا من واحدة اسمها نهاية ، اذ لا وجود « للنهاية » في بلد ضمت اطرافه الكون باجمعه ، وجمعت انحاؤه اسمى معانيه واحطها . ويخطئ كل الخطأ من يزعم ان باريز هي مدينة اللهو ! ولعل التعبير قد التبس على هؤلاء فخلطوا بين المرح واللهو ، وشتان بينهما ! اذ باريز ابعد ما تكون عن اللهو ؛ بل هي مدينة الجد ، والجد باوسع وارحب معانيه ، حتى المرح في هذه المدينة يتخذ شكلاً جدياً لان باريز باقصى الحاجة اليه .
والحاجة بالنسبة للمرء هي ابداً الجد كل الجد . فنظرة حتى خاطفة الى هذه الوجوه التي يطالعها المرء سواء في المترو ام في الاوتوبيس ام في اي مكان ، تعرفه ان حياة هؤلاء الناس تتلخص في هذه الآونة بكلمات : الكدح الدائب المتواصل في سبيل الحياة ؛ النضال المستمر في سبيل الحصول على الخبز للاحتفاظ بالامن فحسب ؛ النضال في سبيل مكافحة الجوع والعجز والموت ؛
تلك هي حياة الكادحين المناضلين الجادين في كدحهم ونضالهم في باريز ؛ اولئك الذين يأكلون خبزهم من عرق جبينهم ؛ ويعلم الله انهم كثيرون .
والامر الذي يسترعي الانتباه حقاً في باريز ، هو دور المرأة في هذه المرحلة الخطرة من تاريخها - اي باريز - ودخولها العملي المباشر في مختلف ميادين الحياة بصفتها عضواً عاملاً في المجتمع تكدح وتناضل في سبيل القوت كما يفعل الرجل تماماً. فهذا العدد الغفير من النساء اللواتي تصدفهن سواء عند نزولك سلالم المترو - احدى عجائب باريز - ام عند صعودك اياها ، ام عند لفك الدورات والمنعطفات « اللامنتهية » التي تصلك بالخط الذي يبلغ بك مكانك المقصود ، ان هؤلاء النسوة يلفتن نظرك بجدهن واسراعهن وهندامهن البسيط - وهو ابعد ما يكون من مظاهر الاناقة والبهجوحة - وتلك الاثقال التي يشملها اما بايديهن واما على ظهورهن . فقد يتفق لك ان تبصر فتاة لا يبلغ وزنها مقدار الخمسين كيلو مثقلة باعباء قد يزيد وزنها عن العشرين . ولكن رغم هذا كله ، ورغم الاثقال على نوعها التي تحتملها المرأة الفرنسية خاصة من تنتمي الى الطبقات الشعبية منها ، فان طبيعتها قد استطاعت بحكم الضرورة ان تألف هذا النوع من الحياة ، وان تروض نفسها عليه ، لان التجارب القاسية الجبارة التي مرت بها خلال هذه الحرب ،
قد علمتها ان تتغلب على كل ضعف قد يستولي عليها من جراء المصاعب التي تلاقيها ؛ لان استرسالها الى الضعف والاتكالية قد يسبب لها مصائب ،
الجوع بدايتها ، والتبذل والزلل نهايتها . ( وسأتحدث في مقال آخر عن هذه الناحية من حياة باريز .) وذلك لان الاوضاع الراهنة في باريز ،