لا تنشأ الشخصية إلا في جو يتمتع فيه كل فرد بالحرية التامة. ولا اعني بها التطرف والاباحة بل الحرية التي يرافقها الشعور بالمسؤولية نحو المجتمع، الحرية في ان يعتقد الانسان ما يشاء ويدافع عن اية قضية اجتماعية يرى فيها الصالح والخير له وللغير فينمي بذلك شخصيته ويبرن ذكاءه. غير ان الحرية في بلادنا لا تزال راسفة بالقيود، فلا نجرؤ ان ننتقد اي فكرة او عمل او ان نشق طريقاً جديداً لئلا نغضب هذا او ذاك. ونتيجة ذلك اننا لا نرى عندنا الشخصيات العظيمة إلا فيما ندر. نصرف جهودنا في المجاملة والمداراة ودرء غضب المحافظين على القديم البالي. حرروا انفسكم ايها الشبان والشابات فقد بدأ عصر الحرية العالمية ولا نرى امامنا إلا فلول جيوش الظلم والاستعباد. افصلوا بين الاشخاص والمبادئ وايدوا مبدأً تعتقدونه صالحاً وحاربوا آخر تعتقدونه فاسداً غير خائفين زيداً او عمراً. النصر للحق والصالح.
وتنشأ الشخصية وتنمو بفعل المجتمع او البيئة التي نربى فيها. مجتمع البيت اولاً، مجتمع اللعب والمدرسة ثم القهوة والنادي والمكتب ثم الجريدة التي نقرأها والاذاعة التي نسمعها. كل هذه تكوّن المجتمع الذي يبلور اخلاقنا ويبني شخصياتنا. وسأقصر كلامي هنا على البيت اول المجتمعات واقواها فعلاً. هو حقل المرأة وميدان عملها. ذلك العمل السامي الذي تقدسه وتكرس له معظم حياتها. تظهر فيه فنها وعلمها وقدرتها. على انها لا تستطيع القيام بدورها هذا على احسن وجه ان هي لم تستعد ولم يسمح لها بالاستعداد له على طرق حديثة علمية. لقد منع الرجل المرأة من الاتكال على نفسها ومساواته في الواجبات والحقوق فضمرت شخصيتها وهزلت وتحطمت لان الشخصية لا تنمو إلا بتحمل المسؤوليات والتعامل مع الناس والاختبار. فكيف يمكن من عزلت عن المجتمع وقصرت همها على الطبخ والتناسل كيف يمكن هذه ان تربي الاولاد التربية التي يتطلبها هذا العصر؟ لقد مضى عصر المرأة الرجعية والحمد لله. على اني لا احبذ
المسترجلة المتطرفة بل امقتها. فانا شرقية اعتبر الرجل رأس البيت والمرأة محور ذلك الرأس يكمل الواحد منها الآخر. ولذا فاني اطالب برفع مستوى المرأة في الشرق وتقوية شخصيتها بالحرية المتزنة ومجابهة المسؤوليات على انواعها. حينئذ وحينئذ فقط يمكنها ان تربي اولادها في بيت يكوّن فيهم الشخصية الفذة.
واطالب كشرقية بنسخ التقاليد القديمة من البيوت وانتقد استعمال العصا والقسر والتخويف والتهديد، لكنني لا اريد الفوضى في البيت يتبع الاولاد فيه اهواءهم دون رادع كلا البيتين سيء لتكوين الشخصية. فالمطلوب تهذيب دون قسر وحرية دون اباحة.
ان العصر الحاضر يتجاذبنا فيه عاملان: عامل التعاون والاشتراك وعامل التنازع والاستئثار وان الشخصية لتنمو في جو التعاون وتنحطم وتختنق حيث التنازع المرتكز على الانانية. ذلك لان التعاون يتطلب صفات المسالمة والحب والرغبة في الخير اما التنازع فيدعو الى الحسد والكراهية والانانية. بالتعاون تسمو اخلاقنا ويتسع افقنا فنخرج من دائرة الاسرة الواحدة والقرية الواحدة والمدينة الواحدة الى العالم الواسع نتخذه وطناً لنا نعنى بشؤونه ونعمل ونجد لتقدمه ونحارب الرذيلة فيه ونخدم حيث تلزم الخدمة. بهذا تنمو شخصيتنا وتسمو وهذا التوسع هو ما وصل اليه الذين سمت شخصياتهم في العالم. فان جوته الفيلسوف الالماني الذي ولد سنة ١٧٤٩ كانت حياته حافلة بالاختبارات والمسؤوليات مما جعل المؤرخين يلقبونه برجل العالم لا رجل بلد واحد، كان يهتم بما في وسط افريقيا كما يهتم بما في المانيا نفسها ويدرس البوذية الهندية كما يدرس شعر بيرون. ويهتم بشؤون العالم وغيره. حتى انه لما بلغ الثمانين من العمر وكانت اوروبا تتحدث عن ثلاثة شرايين للملاحة: قناة السويس وقناة بناما وقناة الدانوب والرين، قال في شيخوخته ومرضه: «اود لو اعيش خمسين سنة اخرى لارى اقام هذه المشروعات الكبرى التي تربط العالم وتقرب الشعوب وتمكن اواصر الصداقة
بينها».
واسمحوا لي ان اقول ان روح التعاون والتوسع الذهني هذه تنقصنا كثيراً ويجدر بكل مدارسنا ان تعنى بغرسها في التلاميذ والتلميذات. فالاطفال بطبيعتهم انانيون في طفولتهم ونحن ما زلنا من هذه الناحية اطفالاً لم نعتد العمل مع الغير والخدمة العامة ولم نتدرج من الانانية الى الغيرية والتعاون.
وانه ليحزننا ان نرى شاباتنا وشباننا بقيت انانية الطفولة عالقة بهم فلم يوسعوا السلسلة الضيقة ليخرجوا بعقلهم وعاطفتهم الى العالم الواسع، يطالعون الجرائد والمجلات لرؤية الصور ومعرفة اخبار الجنايات والقيل والقال. او قراءة الروايات والقصص المتسلسلة ومنهم من لا يقرأ بتاتاً بل يقضي وقته او يقتله في القهاوي وامام موائد لعب الحظ. هؤلاء شخصياتهم جوفاء لا يعرفون كيف يتحدثون في شأن عام ولم تستنفر عقولهم بدراسة تتعلق بالوطن والعالم. ليست لهم برامج مالية او ثقافية او اجتماعية. فما اكبر الفرق بينهم وبين ذلك الانسان الراقي الذي تأثرت شخصيته بالتعاون والذي يهتم بالشؤون العامة العالمية ويعرف الشيء الكثير عن الفلاح والعامل والمشكلات السياسية والاجتماعية ويضن بالدقيقة الواحدة ينفقها في التوافه من الامور.
وللشخصية مقويات منها المسؤولية ومنها الثقافة فلتعود كل ام ابنها تحمل المسؤولية والشعور بها وبخاصة الامور، لتعوده ان يتحملها وحده متكلاً على نفسه، ولنتحملها وحدنا كشعب على عتبة عصر جديد. فلا تلومن غيرنا في كل امر ولا تتكل على غيرنا في حل مشكلاتنا. ان المسؤولية والمصائب هي تلك الكسارات التي تكسر القشر عنا فتصل يد الاصلاح الى ما في داخلنا من لب.
والثقافة بعد المسؤولية من مقويات الشخصية. وهي صقل داخلي للشخصية يكتسب بالقراءة والدرس والاختلاط. لا قراءة السخافات والتفاهات التي لا يرضى بها غير من لا تزيد سنه العقلية على عشر سنوات وانما قراءة الكتب والمقالات والجرائد التي تزودنا بالاخبار السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يتغير بها العالم كل يوم وذلك لكي تتغير نحن فلا نبقى جامدين في عالم متغير. فالتطور والتغير سنة الحياة والنمو والشخصية النامية لا ترضى بالركود ولو كان هذا الركود كمالاً. وللشخصية دعائم ثانوية لها اهميتها. منها المظهر الخارجي ومنها طرق المعاملة او ما يدعى

