منذ فجر البعث العربي حتى اليوم كنا نحوم على ظمأ نريد المورد الذي منه نستقي عناصر الوحدة والقوة لهذه الأمة كما تعود سيرتها الأولى - أمة عزيزة كريمة حرة ذات رسالة؛ فما فزنا بغير النظر يبل ولا يروي، ويظل أبعد ما يكون عن أن يستوفي عناصر الوحدة ويحقق الغاية العليا. لقد صومنا ننشد غايتنا فكان لنا نضال سياسة، ونضال أقلام، ونضال منابر، ونضال سلاح، ونضال أحزاب ومنظمات. ولقد أجدى هذا النضال في ميادينه وصوره المختلفة بعض الجدوى - لكنها الجدوى كالقطر تبل ولا تروي.
غير أننا وقفنا على الينبوع في اليوم الثاني من أيلول سنة ١٩٤٧ وهو يوم انعقاد المؤتمر الثقافي الأول لجامعة الدول العربية في بيت مري - لبنان. فكان جواباً لما في نفوس العرب من أشواق، وتنظيماً لما هم باذلوه من جهد موزع، وتسديداً للقوى إلى غايتها المشتركة من أقوم طريق.
حدّد هذا المؤتمر غايته تحديداً واضحاً: «إن غايته إعداد المواطن العربي الصالح» فإن وفقنا إلى إعداد المواطن العربي الصالح غداً، فنحن موفقون حتماً إلى بلوغ الأمة العربية الصالحة بعد غد.
على القمة الخضراء
ويكون لبنان هو المكان المختار للمؤتمر الثقافي العربي الأول. وإن لبنان خليق بذلك. هو خليق بذلك بإجماع وفود الدول العربية. لأن لبنان مركز انبعاث النهضة العربية الحديثة في العلوم والآداب واللغة. وهو الشعب الذي ينعم بأكبر نسبة من المتعلمين. وهو الشعب المنطلق إلى التجديد المستعد للأطوار، القابل للوثبات الفكرية والتحرر الاجتماعي. وهو البلد الذي تنعم المرأة فيه بأوسع مدى من الحرية والانطلاق وبأوفر الفرص لتحقيق شخصيتها. وهو إلى ذلك الجبل الجميل الذي يفر نفوس العرب إلى قممه كلما لفحهم قيظ الصيف، وأعوزتهم النسمات البليلة المعطرة. فكان لبيت مري أن تشهد هذا الحدث التاريخي، وأن تحضنه وتفتح صدرها له،
وتضفي ظلالها عليه. ففي بيت مري اجتمع نيف وستون ممثلاً لعشرة من الأقطار العربية، وانضم إليهم مئة من المشتركين، ليضعوا الخطوط الأولى لإعداد المواطن العربي الصالح من أضمن الطرق وأرصنها وأسدها إلى الهدف - طريق الثقافة. وعملوا عشرة أيام في ظل الصنوبر، وفي ظل الأعلام العربية، وفي ظل الروح العربية الأصيلة.
انكشاف العتمة
على تلك القمة الخضراء، وفي هاتيك الظلال، وفي متسلل الأنوار من خلال الشجر، رأيت جماعات وكتلاً. رأيت المصري والعراقي والسوري والسعودي والفلسطيني والأردني واليمني والليبي والمراكشي واللبناني. إن شعراً يتداول هنا، ونكات تتناثر هناك، وبحثاً حداً شديد التمركز هنالك. أضم في النور. يرى بعضهم بعضاً وقد سقطت متهالكة براقع نسجها الوهم وزادت في كثافتها دعايات دخيلة مفروضة. يرى بعضهم بعضاً أخوة أشقاء، ورثة لتلك الحضارة الرائعة التي ربطت بغداد بالأندلس. ولا يزال يجي فيهم جوهرها - جوهر الإخلاص للعلم، وتقديس العدالة، واستنان الرفق والتسامح. ثم يشعرون بتبعتهم العظيمة يبعث تلك الحضارة جديدة وجهاً، أصيلة روحاً وعنصراً. ولسنا نعلم منادية لمّت أطراف العالم العربي كما لمته الدعوة إلى إعداد المواطن العربي الصالح. إن في هذا لحجتنا على العالم ووثبتنا إلى التاريخ أننا ماضون إلى مستقبلنا من الطريق الذي لا يضل وبالوسيلة التي لا تكذب بإجماع لم يعد له إجماع.
الروح العلمية
إن تكن مهمة المؤتمر درس الوسائل لإعداد المواطن العربي الصالح من طريق الثقافة، فحسبه هذا ليتسم بالسمة العلمية، ويدخل أعضاؤه قاعات البحث والمناقشة ورائدهم الحقيقة العلمية، فيكونون على استعداد لتقبل اختلاف الآراء وتباين النظريات وتضارب الحجج بصدر رحب هو الشرط الأول
للتمحيص العلمي والسبيل الأقوم لبلوغ الحقيقة. فليس الخير في أن لا يكون اختلاف في وجهات النظر، بل الخير في أن يستطيع أصحاب الوجهات المختلفة التجرد للحقيقة، وأن يؤدي التمحيص إلى إقرار الأفضل. لأن الآراء على اختلافها وتشعب سبلها كانت تجتمع عند الغاية التي أخلص الجميع لها نيتهم، وجعلوها فوق الأثرة والتعصب وضيق المدى. ولذلك فقد قل بين القرارات ما لم يقرّه الإجماع.
لا نخاف
كان على المؤتمر أن يعين القدر الثقافي القومي المشترك الذي يجتمع في دائرته الطلاب العرب جميعاً. وقد قال الدكتور جميل صليبا عضو الوفد السوري ومفتش عام المعارف السورية بصدد القدر المشترك ما اعتقده أسمى ما قيل في هذا الباب:
«نحن لا نخاف أن نخطو بعد هذه الخطوة خطوات. وإنما نرجو أن نتسع دائرة القدر المشترك حتى يؤدي إلى التوحيد، فلا يكون قدر مشترك بل وحدة في المناهج؛ لأننا نريد أن لا تختلف القيم الإنسانية بين بلد وبلد من البلدان العربية. لقد اشتركنا فسمونا من غير أن ننسى الواقع».
لا نخاف. وما نخاف؟
إنه لا أبلغ رد على ما تردد في الجو من أراجيف: أن هنالك من يخاف. أما لتهمة أن يعزى الخوف من الوحدة الثقافية في البلاد العربية إلى أي قطر يوم تكون له فيها رأيه وتوجيهه. ويوم تكون الوحدة الثقافية وسيلة علمية لوصل ما انقطع من حضارة الأمة العربية ويوم يكون على المتأخر من هذه الأقطار أن يسمو إلى مستوى المتقدم، لا أن ينحدر المتقدم إلى مستوى المتأخر، ويوم يكون كل قطر غير ملزم بالتقيد إذا هو شاء الارتفاع بثقافته ما شاء الارتفاع، على أن يحقق هذا القدر المشترك الذي أردناه صلة بين الأجيال الجديدة توحد شعورها، وتشد أواصر إخائها، وتسوّد الانسجام في جماعاتها وفي مثلها العليا.
ولقد كانت اللجنة الثقافية في جامعة الدول العربية لبقة غاية اللباقة، بارعة غاية البراعة، عند ما وضعت أمام المؤتمر الصيغة التي تحدد مهمته فقالت:
إن مهمة المؤتمر البحث في أمرين:
١ - وضع حد أدنى مشترك لمواد الثقافة العربية، يعلم لطلاب البلاد العربية في مراحل التعليم الابتدائية والثانوية.
٢ - تحسين طرق تدريس اللغة العربية.

