الشيخ عامر. بوجهه الهادئ المعروف، وقامته التي لم تذل لكرِّ السنين. فما انحنى عودها، ممسكاً سبّحته يلهو بحياتها، مخاطباً ولده فياض:
« استمع إليّ يا ولدي وكن عاقلاً. أنت فلاح ابن فلاح. ولئن طوّحت بك الظروف إلى المدينة زمناً فهذا لا يعني أنك أصبحت افنديّاً. الأرض في انتظارك فماتق الفأس. أنها وديعة في عنقي وعنقك. لقد كنت طيلة السنوات الأخيرة استمد شباباً من شبابها الدائم المتجدد فأتغلب على العوادي. ولا أنك أجالدها لأحفظ لك الوديعة. ولطالما تربصت الذئاب الفرس فرددها على الأعقاب. ولطالما أضحكت فقري الضرائب فاحتملتها صاغراً صابراً. والآن دعنا من هذا كله، وانطلق إلى أرضك فما عادت كهولتي بقادرة على بعث شبابها ربّان متألقاً كما كان في الماضي. ولكنني أعزي النفس بأنني أنجبتُ ولداً يرثها ويرث حبي لها وتفانيّ في خدمتها »
ويتململ فياض متألماً، ثم لا يلبث أن يلقي بعقب سيكارته في عصبية ظاهرة وهو يقول: «محال. محال أن أعود إلى حياة الشقاء. فلا تتعب نفسك بإقناعي.» ويقلب الأب شفتيه ويقول:
« شقاء؟ وماذا في الأمر؟ شقاء؟ يوفر لك اللقمة، خير من عمل تتفانى فيه، ثم تجد نفسك منبوذاً مطروداً »
- إنه ليس طرداً يا والدي
- أراك قد أصبحت تؤمن بالتراكيب اللفظية. طرد أم تنسيق كله واحد. المهم في الأمر، أنك أصبحت عاطلاً، بلا عمل، وبلا أمل. أفهمت؟!
وينطلق فياض ثائراً مهتاجاً، لشد ما تنكرت له الأيام، في الشهور الثلاثة الماضية، فقلبت حياته رأساً على عقب.
كان قبلاً ينعم بالجنيهات تنصب في جيبه انصباباً سخياً. والجنيهات تعني البذلة الأنيقة، وربطة العنق الزاهية، والمنديل الحريري يطل فخوراً من جيب الرداء.
أجل، لقد نعم بهذا كله. بل بأكثر من هذا كله. كان يبتاع السكاير الفاخرة والمجلات الحافلة بصور الجميلات وكان يجد في أفلام السينما متعة ما كانت القرية لتوفرها له.
كان هناك أنيقاً ناعماً معطراً فكيف يطالبونه الآن بنبذ المدينة ليعود فلاحاً خشناً، مشقّق القدم!؟ لا لا! هذا كثير!
ويرمي الشاب في ظل أقرب شجرة. ويسبح في بحار من التفكير وتطوف في رأسه مواكب الذكريات تطوافاً متتابعاً. وتتمثل له
طفولته الحلوة البريئة في شخص طفل يرفل في جلبابه القديم وقبعته المحبوكة يقفز بين أعواد الذرة الخضراء. أو يتعلق بأذيال أمه وهي ترفع جرتها بخفة وتنطلق نحو العين.
ويتذكر نفسه يافعاً، يرافق والده إلى الحقل ليخلص الزرع من شوائب الطفيليات. أو ليساهم في
هندسة الأرض. أتلاماً طويلة يستودعها مختلف البذور.
أما في الأمسيات. فقد كان ينضم إلى زمرة جيرانه، فيجلسون متربعين على دكة أحدهم يرشفون الشاي على ألحان الخان المتابا مصحوبة بأنغام الناي أو يستمعون إلى أحدث أنباء السياسة، يسردها عليهم جريدة القرية أبو رباح، بعد أن يجورها ويدورها كما يهوى ويشاء.
وسارت به الأيام وقد استسلم لها راضياً قانعاً. إلى أن جاءه فارس ابن عمته ذات يوم ليهمس في أذنه بحماس! « فياض! وظيفة! أو جنيهات ومتعة! فما قولك؟ »
وما أسرع ما استجاب إلى إغراء فارس ولشد ما آلم أباه بعزمه على هجران الحقل ليعمل مع فارس في إحدى (الورش) لقاء ثلاثين من الجنيهات.
ثلاثون جنيهاً. كان يتناولها في آخر كل شهر، فينطلق إلى والديه ليلة ثم يكرّ عائداً إلى المدينة التي شغف بها واستسلم إلى مسراحها ومباهجها سنوات سبع سلخها في عمله. وانتهت الحرب وانتهت معها أعمال المصالح الحربية. وبدأ يلوح في الأفق خطر جديد. وانفجرت في وجوه العمال قنبلة خطرة هي التنسيقات.
لقد أزعجتهم هذه القنبلة. وقطعت عليهم خيوط الآمال. وأذاقتهم من مرارة الحقيقة الوانا. لقد لفظتهم الورش فلا مكافأة ولا تأمين اجتماعي، فليفتح الشقاء ذراعيه. وشدقيه!
وبكى فياض. وبكى طويلاً. فلقد آلمته الذكريات. وأمضّه التفكير. وزاد في هذا كله نظرات الازدراء التي يلقيها عليه أهل قريته وهم ينطلقون إلى حقولهم مسرعين خفافاً.
وألقى بوجهه إلى الأرض فامتصت هذه الأرض دموعه. فترطب ترابها الجاف وفاحت منه رائحة منعشة، فخيّل إليه أن الأرض تهمس بأشياء. فأرهف أذنيه وأصغى:
« ما جدوى العناد يا فياض؟ لقد كانت السماء أرحم بك من سواك أنك تملك شباباً وأرضاً وفأساً. وكثير غيرك من الناس لا يملكون أرضاً ولا فأساً ولا مورد رزق يرد عنهم غائلة الجوع. فما عساهم فاعلون وقائلون؟ دع عنك عنادك وانهض يا رفيقي فطريق الحياة لا يزال مخضضر الحواشي أمامك.
ويطيب الفتى نفساً. فيمسح دموعه وينهض خفيفاً فيتأبط فأساً وينطلق مسرعاً إلى الحقل. لقد استجاب أخيراً لنداء الأرض، وأذعن راضياً لرائحة التراب المنعشة المطيرة ...
وترتفع الفأس ولا تلبث أن تهوي بقوة تستمدها من الذراع القوية التي تحملها. دقات متوالية توقعها هذه القطعة الحديدية اللامعة. ورنين ترتاح إليه الآذان، نستخلص منه قصة. قصة لن يجيد روايتها ذو لسان كما تسردها بطلاقة هذه القطعة الجامدة البكاء.
عكا - فلسطين

