نفسه ، فيجب ان نضع حداً لهذا الحادث . اننا لن نثير حرباً على البابا من اجلك فنهدد سلامة الولاية وامتهانها . هيا .. رتب امورك للعودة الى روما .
توجس الفنان شراً مستطيراً ففكر فعلاً في الهرب . وبعث سلطان اسطنبول يطلبه ويفتح له ابواب سلطنته - واسطنبول تستنشق منذ زمن طويل ازهار فلورنسة وطيبها - ولو نزل انجلو السلطنة لوجد امامه ، كما يقول البعض ، مجالاً واسعاً للعمل ومشاريع كثيرة جاهزة ، إلا ان رسالة ثالثة وصلت من البابا ، فلم يعد هنالك بد من العودة وملاقاة قداسته في وسط الطريق بين روما وفلورنسة . وحين وصل انجلو وجد البابا في انتظاره ، فانحنى بين يديه ليباركه ، فرد قداسته يقول :
- كان من واجبك ان تمثل الينا من تلقاء نفسك ، ولكنك بدلاً من ذلك انتظرت حتى اتينا بنفسنا نبحث عنك ! .. وأراد بقوله هذا ان « بولونا » - حيث تلاقيا ... أقرب الى مدينة الازهار والفن منها الى مدينة الكنائس والدين .
فرد انجلو يقول :
- على قداستك ألا تنسى انك اسأت الي دون ما ذنب او خطيئة ! ..
واحنى البابا رأسه دون ان ينبس بكلمة او يفوه بجواب . ورغب احد القسيسين في إنقاذ الموقف ، فالتفت اليه يردد :
- على قداستك ان تتحمل اخطاء هذا الرجل لانها نتيجة الجهل ووليدته ، فالرسامون كلهم كذلك ، والمثالون ايضاً ، رغماً عنهم .
فانتفض البابا غاضباً يستتلي :
- إنك انت الذي يسيء اليه لا نحن ، انت الذي توجهه وتهينه ، انت الجاهل الاحمق لا هو . اذهب ... اذهب وليأخذك الشيطان .
ويقولون ان القسيس تباطأ في الخروج فحمله الخدم قسراً وتنفس البابا مبدداً حنقه ، وبارك انجلو « وعفى » عنه وسأله ان ينحت له تمثالاً يسكبه من البرونز . وحين انتهى من عمله عاد انجلو الى فلورنسة فوجد فيها رسالة جديدة من البابا يسأله العودة الى روما ليتابع بناء النصب وتشييد أروقته - كما يشاء - فعاد ...
استيقظت روما باكراً في ضحى الواحد والعشرين من شهر فبراير عام ١٥١٣ على اصوات النواقيس والاجراس ، فتساءل اهلها ، كعادتهم ، عن الخطب فقيل لهم ان البابا يوليوس الثاني - صاحب النصب الذي غدا تمثال موسى واحداً من تماثيله - قد توفي . فبكته اعين كثيرة وحزنت عليه أفئدة محبة .. ولكن الزمن لم يأبه فلا تريث ولا وقف .
وقام مكانه ليو العاشر في الحادي عشر من مارس . وفي السادس من مايو اجتمع المسؤولون ليقرروا متابعة بناء التذكار ، فجددوا العقد مع انجلو فشرع هذا بالعمل بعد ان خصص له سبع سنوات من عمره وكتب عنه يقول :
- ان هذا العمل الذي افكر فيه سيكون شيئاً لن يظهر مثيل له على وجه هذه الارض .
هذه ، يا صديقي ، حادثة واحدة من حياة الفنان الاعظم النائم ، وهي حادثة مع قداسة الحبر الاعظم ... في عصر من عصور القرون المظلمة ... وقد انتهت كما تنتهي كل حادثة بين الفن وغيره بانتصار الاول وخلوده ... أما سمعت انجلو يتغنى في احدى قصائده يخاطب الفنان :
« فبإحيائك للذكريات القديمة الميتة تضفي عليها وعلى نفسك ، رغم الزمن والطبيعة ، شهرة لا تندثر ، وحياة لن تزول . »
ولا تحزن . فقد عاش ميخائيل انجلو من الزمان سنين اشهدته من الباباوات ثلاثة عشر - بدأوا بسيكستوس الرابع وانتهوا ببيوس الرابع . أتى قبلهم باباوات عدة وتبعهم باباوات عدة .
ولكن العالم بأجمعه لم يشهد امثال ميخائيل انجلو قط ، لا من قبله ولا من بعده ، وقد لا يشهد ذلك ابداً ... لان الآلهة لا تقوى دائماً على خلق مثل هؤلاء .
في صباح الثامن عشر من شهر فبراير عام ١٥٦٤ استيقظ الناس على اصوات غريبة لم تعهدها آذانهم من قبل ، ليست كأصوات النواقيس ولا كطنين الاجراس ... استيقظ العالم بأسره ليدرك ان ازميل انجلو ومطرقته قد سقطتا فعلاً من يديه ، وان ريشته قد هوت .. وانه مات ! ... فبكته كل الاعين ، وحزنت عليه كل الافئدة ، وكأن الزمن ، لاول مرة ، تفتت كبده ، فتريث ... ثم وقف .
بيروت ٢٨ / ٥ / ١٩٤٧
