اصبحت اليوم واذا بنفسي تئن في داخلي تشكو ألم الوحدة وتطلب صديقة ، وما اعمق انين النفس وما اشد ألمها عندما تشعر بالوحدة .. ما اشد ألمها عندما تبحث عن شطر روحها المفقود لتستكين بجانبه فلا تجده .
اقبلت على نفسي احدثها قائلة : « لقد ظللت اجتماعية يا نفسي لم تغيرك السنون ولا الثقافة ولا المدنية . فانت في شوقك الملح نسخة طبق الاصل من شقيقتك القروية الساذجة ، تغذي معدتها بأبسط الاطعمة ثم تندفع الى الجارة تغذي روحها بمعشرها .. بل لقد ظللت كسالف عهدك عندما كنت في الفردوس تبحثين عن صديق يخفف آلام وحدتك فاذا ما عز وجوده من بني الانسان لجأت الى الحيوان ... لقد كان الاحرى بك يا نفسي ان تتعلمي درساً من مأساة ذلك الزمن بعد ان جنت عليك صداقة الحية فاوصلتك واوصلتنا الى حيث شقيت وشقينا . »
حدثت نفسي بكل هذا وباكثر منه ولكنها ظلت تئن وتشكو ألم الوحدة وتطلب الصديق .
حملت نفسي على كفي كما يحمل الدلال السلعة وقلت : تعالي ، فانك واجدة بين الرفيقات الكثيرات امنيتك ، وتخيرتها طيبة القلب ، صافية السريرة ، تخيرتها وقلت لنفسي ترسلي على سجيتك فقد وجدت الصديق . ولكن نفسي انكمشت في داخلي وراحت تقول : اساس الصداقة امتزاج روحين وحدت بينهما ثقافة متساوية . اريد صديقة تشاركني المتعة ، اصادق وإياها الكتاب ومؤلف الكتاب . نتبادل الآراء في كل ما نقرأ فنجني لذة ومتعة . اريد صديقة توحد بيني وبينها الميول والاذواق ، تنطلق روحانا بعيداً ، بعيداً عن احاديث الزيارة والزائرات ، فقد ملّت نفسي مشاكل الخدم وجديد الثياب واغتياب رفيقات الامس عدوات اليوم ... نستعيد مع الهواء الطلق صفاء روحينا بعد ان لوثتها اقذار الاخلاق الملونة . فهل اجد هنا امنيتي ؟ لشد ما اخطأت فهمي يا صاحبتي وهمست في داخلي : الحقيقة المرة .
وحملت نفسي على يدي من جديد ورحت ابحث لها عن
صديقة وخيل الي اني وجدتها ولكن نفسي انكمشت من جديد وانشأت تقول : اساس الصداقة الثقة المتبادلة . لقد تثقل الهموم على الصدر فيبثها الصديق صديقه فيشعر وكأن ثقل الجبال يهبط عن صدره فهل اجد هنا امنيتي ؟ ؟ هنا اسرار تباح أن ادراني ان سري يصان ؟ ؟ من لي بمن يبني هذا النوع من النساء ان للسر حرمته وانك لو حق لك ان تتصرف بمال تؤتمن عليه لحق لك ان تتصرف بسر تستودعه . من لي بمن يفهم هذا النوع من النساء . اننا ما دمنا نحافظ على الدرهم لانه ليس ملكنا الخاص ، فاحرى بنا ان نحافظ على السر اذ قد يتوقف على تفريطنا بالدرهم خسارة مادية فحسب ، بينما يتوقف على تفريطنا بالسر شرف انسان ومصير انسان ، بل ربما شرف عائلة ومصير عائلة .
وحملت نفسي من جديد ، نفسي الحائرة المتعبة ، وتقدمت اليها من جديد ، وقد خيل الي اني وجدتها ، ولكن نفسي ابت التبسط ، وراحت تهمس في اذني : اساس الصداقة شعور متبادل وحس رقيق مليء بالعطف والحنان . ان تتألم فتحس بأن هنالك قلباً عطوفاً يفهمك ويتألم لألمك . هنا مخلوقة جبارة قاسية تهزأ بآلام الغير وتضحك من بؤس الاشقياء . فتجشمت الحقيقة ايضاً .
واقتربنا اليها انا ونفسي من جديد ، ولكن نفسي لم تسترح . انها تطلب الاخلاص والوفاء . قالت اترينها تثبت على ود ؟ لقد كانت بالامس صديقة فلانة وقبله صديقة فلانة فهي ملول متقلبة ، بل هي كبعض اهل هذا الزمن الذين قال فيهم المنفلوطي : اصدقاء هذا الزمن يخافون عدوى الفقر كما يخافون عدوى المرض فهم لا يزورون الفقير ولا يعودون المريض .
ومررت بنفسي على تلك وتلك وتلك ... ثم عدت احملها وحيدتين متثاقلتين . واحتوانا المخدع الساكن فقلت اعاتبها : لشد ما تتمنّين يا نفسي . قالت : سوف اعطي فوق ما اطلب ، سوف اعطي كل مستلزمات الصداقة الحقة : الثقة والكتمان والعطف والحنان والوفاء والاخلاص ، ثم انها الصداقة يا صاحبتي أثمن ما في الدنيا بعد الحب كما يقولون ، بل اثمن من الحب نفسه كما اعتقد ، بل ما قيمة الحب دون صداقة أليس هو تلك النزعات العابرة التي تمر مع الصبا فيودعها الشاعر بقوله :
لم اقل للشباب في دعة اللهولا حفظه غداة استقلازائر زار فاستقام زماناًسود الصحف بالذنوب وولى

