عرفت الكوليرا بأسماء مختلفة منها (الهيضة) والهواء الأصفر وكان الناس في العصور السالفة يعتبرونها عقاباً من الله فكانوا يعتكفون في المساجد والكنائس للصلاة والابتهال الى الله ان يزيل عنهم هذه البلوى. وكان رجال الدين هم الذين يقومون بفحص المرضى وكانوا يخرجون المصابين الى الخلاء حتى يشفوا او يموتوا!
وتتسبب الكوليرا كما هو معروف من مكروب طوله حول الجزئين من الف من الملليمتر وشكله كالواو وهو مكروب سريع الفناء يقتل بالغلي ويموت بتعرضه للجفاف في ساعتين او ثلاث. وفي الماء الراكد قد يعيش عشرين يوماً او اكثر. ويمنع من تكاثره البيئة الحامضة ولو قليلة الحموضة.
ومصدر العدوى المباشرة هو ما يخرجه المرضى من امعائهم ومن هذا تتلوث المياه. ومنه يحمل الذباب ما يحمل فينشر الداء. ومن الأصحاء من يحمل المكروب في امعائه وهو في مناعة منه، فينشره بين الناس وهو غير متهم.
اذا دخل المكروب الفم ذهب الى الأمعاء فتكاثر فيها. وبين دخول المكروب وظهور المرض مدة تتراوح بين اليوم والسبعة ايام.
واعراض المرض المغص المستمر والاسهال الشديد الذي قد يبلغ نحو ١٥ مرة في الساعة، ولكن لا صفرة فيه بل يكون ابيض كماء الأرز والقيء وكلاهما يذهب من جسم المريض بمائه، وفي ذهابه اسباب الموت. وعدا ذهاب الماء يضع المكروب سماً يتسمم
به الجسم.
يقول المختصون من الأطباء والعلماء ان التلقيح ضد الكوليرا ذو قيمة. وهو لا يعطي صاحبه الا وقاءً مؤقتاً. كل بلد في العالم عرضة لظهور هذا الداء فيه وحالة الكوليرا بالأمس هي نفس حالتها اليوم. وانما الجديد هو استعمال المصل فقط للوقاية، اذ لم يكن معروفاً حينذاك ولم يكن هم الأطباء في الماضي، سوى حصر المرض في المكان الذي يظهر فيه حتى لا ينتشر في الأمكنة الأخرى مع عزل المريض.
في سنة ١٨٨٥ ظهر هذا الوباء في فينيسيا من اعمال ايطاليا، ثم انتقل الى برندزي ونابولي وروما واصيب به خمسة عشر الفاً وامات ٨٦٥٠.
اجتاح وباء الكوليرا عام ١٩٠٢ القطر المصري من اقصاه الى اقصاه وذلك بعد ان تنقل الوباء في معظم عواصم الدنيا وعلى الرغم من شدة مكافحة المرض بلغ عدد الضحايا في مصر رقماً مروعاً اذ توفي حوالي ٧٢ الف نسمة في ثلاثة شهور.
ثم لم تعرف مصر هذا المرض بعد ذلك الا في حالات فردية لم تتجاوز الخمس تسربت اليها من فلسطين من وحدات العمال ١٩١٨.
اكثر ما تنتعش جرثومة الكوليرا في الأشهر الحارة وخاصة في اوائل الخريف وهي لا تحترم السن لانها تصيب الأطفال والشبان والشيوخ سواء بسواء. ولا تولد الاصابة بها مناعة ضد الجرثومة لان الشخص الواحد عرضة لان يصاب بها مثنى وثلاث ورباع.
لم يكن هذا المرض معروفاً قبل اوائل القرن التاسع عشر وقد ظهر عام ١٨١٧ وشمل آسيا.
لم يتمكن الأطباء من معرفة مصدر الوباء الحالي ١٩٤٧ في مصر ويقولون انه لا يمكن ان يكون تسربه من الهند الى مصر عن طريق مريض مصاب به، لان مدة الحضانة في هذا المرض تتراوح بين ٣ و٤ ايام وقد تصل الى سبعة والمعلوم ان السفر من الهند الى مصر يستغرق حوالي الأسبوع وهي مدة تتجاوز مدة الحجر الصحي المقررة اي ان اعراض المرض لا بد ان تظهر بجلاء ووضوح قبل ان ترسو الباخرة.
يرجحون ان المرض تسلل الى مصر عن طريق حامل الجرثومة وهو الشخص الذي يأخذها في جوفه دون ان تظهر عليه علامات المرض وهو يحملها مدة قد تتجاوز الشهرين يتسنى له خلالها ان ينشر المرض حيث شاء دون ان يشاء.
ينتشر وباء الكوليرا عن طريق الماء الذي لوثه براز المرضى او حاملي الجرثومة ويكون ذلك اما بشرب هذا الماء الملوث او الخضروات والفاكهة التي غُسلت به واشد حاملي الجرثومة خطراً هو الطاهي وقد ينقل الذباب العدوى الى الطعام الذي تأكله. فحاربه وأبده تأمن شره.
تتلخص وسائل الوقاية في عزل المرضى عزلاً تاماً واكتشاف حاملي الجرثومة وعزلهم ايضاً اما السليمون فيجب ان يتجنبوا اكل الخضروات النيئة والفاكهة الطازجة المعرضة لحط الذباب دون غسلها جيداً وغمسها في ماء مغلي مضافاً اليه احد المطهرات كبرمنغنات البوتاسيوم مثلاً. ويجب ان يرفعوا مستواهم الصحي.

