
كنت جدولاً فاصبحت بحراً ، وكنت ارضاً فاصبحت سماء ، وكنت مخلوقاً عادياً فاصبح في ناسوتك كمية رائعة من الالوهة ! لقد تفجرت في قلبك ينابيع كانت حتى الان مغلقة ، مجهولة ... وكنت جنة فيها الازهار فاصبح الزهر ثماراً ، ونبت حول الثمار زهر ، وغرد الطير ، وغردت جناتك الانجم ، ودلت عليك اصابع الانبياء !
نعم . لقد غمرتك النعم والبركات ، يوم ولدتني بالاوجاع والآلام والعذاب . الا تذكرين كيف أطلق ابي البشائر من بارودة كان يحشوها بالنار . الا تذكرين كيف تجاوبت القرية اصداء الطلقات من كل حدب وصوب ، لا لاني جئت العالم ، والعالم لا يتمجد بطفل ولا يجد طفلاً ، بل لانك انت اصبحت اماً . لانك اعطيت حياتك معناها ، ولست انت معناك الحقيقي الازلي الخالد العظيم .
اني ارى بخيالي عينيك تبرقان ، فيهما اثر فضي لدموع كنت تسكبينها قبل لحظات كأنها حبات دماء . لقد استحالت الى حبات من نور ، انها تلمع كالحباحب . وهذا وجهك الشاحب ... لقد تهلل واشرق ، كأنما اشرق فيه الف فجر وشمس ! لم يبق لك ماض . لقد انتسخ ماضيك في صرختي الاولى ، اذ رحت اوعوع كالمجنون . وكانت سعادتك بجنوني اعظم من أي سعادة ، اعظم من اي هبة ، اعظم من اي كنز ! ...
لله ما اعظمك يا أماه . ما اكبر جبروتك . ما اعمق اصولك . ما اسمى فضائلك وفضلك . اعود واقول انك قلب الحياة ، بل ان الحياة مجموعة في
طاقة من صدرك . لقد حملتني واطلقتني الى النور ، وانطلقت في اثري ، ولا تزالين . لا تزالين من عالم الغيب ترعين خطاي ، وتلهمين قلبي ، وتشعين في انتشاري على الناس شعراً او عقيدة !
اي شيء منذ اللحظة التي اصبحت فيها بين يديك لم تسبغيه علي ؟ لقد حرمت نفسك كل شيء في سبيل الامومة ، في سبيلي ، في سبيل هذا المعنى الكبير الكريم لكينونتك ! انت في كل مراحل عمرك كنت تستعدين لاستقبالي . لقد كنت لعبتك وانت طفلة ، وحنانك وانت صبية ، وحبك وانت عذراء ، واحلامك وانت زوجة . اني المحور الذي تدورين عليه منذ ان اصبح الوجود يهمس في اذنيك اقوالاً تعينها ! ...
اما انا ، انا ابنك ، فماذا فعلت من اجلك . لقد مت فلم اذرف دمعة عليك لاني كنت لا افهم للدموع معنى ، بل كنت لا افهم لك معنى . وكبرت واصبحت مدركاً رسالتي في الحياة ، فهل وضعت رسمك في منزلي ؟ هل لقنت اسمك لاولادي ؟ هل اقمت لك مقبرة وتمثالاً ؟ هل زرت الزاوية المشرفة على البحر التي ترقد فيها عظامك ؟
ماذا فعل الناس من اجلك ؟ اخوتك ؟ زوجك ؟ ابواك ؟ جميعنا لم نفعل شيئاً ... ومع هذا وفوق هذا ، ان الناس يا أماه ، يا كل ام على كل ارض ، يريدون ان تظلي اسيرة ، ان تكوني متعة ، ان تبقي لعوبة ، ان تقيدي بالقيود والقوانين والحجب ، وان تكوني آلة لا حياة فيها ولا ايمان ولا مثل اعلى !
انني انحني امامك يا اماه خاشعاً . اكملت نجواي . اني المح الدموع سخية في مآقيك . لقد سررت واستبشرت بي خيراً . لقد بدأ ابناؤك يعرفون فضلك ويحسون جميلك . ان المستقبل لك . المستقبل مجد لك واعتزاز . وكلما قربت الانسانية من نفسها ، كلما قربت منك . ليكفي طبعك دائماً وابداً الغفران . ان غفرانك شيء من حنانك . وحنانك سماء . تمطر الرحمة والاشفاق والانسانية !
اني اذا اسأت اليك ، اذا اهملتك ، اذا لم اف حقك علي ، اعذريني يا اماه ، اني من هذا الجيل القاسي . ان ابنائي وابناء ابنائي سيكفرون عن ذنوبي . وان انا لم افعل ، فقد ادركت على الاقل باحساسي ، بشعوري ، بقلبي ، ادركت قيمتك وعظمتك . انك السلم التي صعدت على درجاتها الى ... الله
