العصر الجاهلي عصر الفروسية والشعر. خط للعرب سبيل حياتهم ووجه ميولهم وكوّن اخلاقهم وكان له في نفوسهم اعمق الاثر. ورغم سعيهم الى تجديد مثلهم العليا بعد تركهم الجزيرة واخذهم بمبادئ الاسلام، ظلت نفوسهم عالقة بالصحراء يحنون اليها ويقدسون تقاليدها ويجتذون شعراءها ويتخذونها مصدر وحيهم. ومع انهم حاولوا نسيان عصر الشرك وطمس آثاره ما انحرفوا عن مثله العليا الا قليلاً.
ليس عجيباً ان يكون للصحراء هذا الاثر البعيد في نفوس العرب. فهي التي علمتهم الجرأة والصبر على القتال وانشأت في نفوسهم هذه الصلابة التي مكنتهم من فتوحاتهم العظيمة. وكانت منشأ شعرهم ومسرح غزواتهم وايامهم الباهرة التي كان يحلو لكل قبيلة ان تفاخر بها وتعتز. هذا الفضاء الواسع الذي يثير الرهبة ويبعث الاحلام. الذي يسرح فيه الانسان على هواه، حراً من قيود المدنية، لا رفيق له الا سيفه وناقته، يأكل عشب الارض ويأنف من السؤال، يرحل اذا جاع او ينهب قافلة، يهتز للنجدة والعطاء ويطعم الطعام على حبه، ينطلق لسانه بالشعر ندى كل سانحة واذا سمع ما لا يرضيه هاج وحرّك سيفه.
لقد استهواهم من الجاهليين صفتان بنوع خاص: مهارتهم الحربية وطلاقة السنتهم فتمسكوا بهاتين الميزتين. ولكن بابتعادهم عن الجزيرة وميلهم الى حياة الترف اخذوا يفقدون الميزة الحربية تدريجاً بتأثير المحيط ولم يبق لهم من الجاهليين سوى البراعة اللسانية التي فقدت كذلك سحرها بمرور السنين لطغيان التقليد وتفشي الصنعة والجمود. ومع هذا ليس من ينكر على العرب اليوم براعتهم اللسانية، وان كانت هذه البراعة لا تزال مطبوعة بطابع ادبي شعري، لا يجاري مقتضيات العصر الحديث. كذلك نلاحظ ان عادة الثأر التي لا تزال متفشية عندنا والتي تجعل الانتقام واجباً مقدساً على كل عضو من اعضاء الاسرة الموتورة انما هي اثر من آثار الجاهلية. على ان الباحث وولرس في كتابه «الفلاحون في سوريا والشرق الادنى» يذهب الى ابعد من هذا. فيرى ان الفتح العربي طبع هذه الاقطار بطابعها الحالي وان البلدان العربية لم تسلم من تأثير البداوة في اي دور من ادوارها لا سيما في عصور الانحطاط، فكان من جراء هذا التأثير ان شاع فيها احتقار الزراعة والصناعة وتقديم التجارة عليها.
كان العرب في جاهليتهم من ابعد الناس عن الصناعة لعدم توفر المواد اللازمة لها في ارضهم. وكانوا اكثرهم رحّلاً لا يهتمون بالزراعة ولا يعرفون منها سوى تربية المواشي التي يعتمدون عليها في غذائهم واسفارهم وكسائهم ولاجلها يرحلون في طلب الماء والكلأ. ولكن بما ان بلادهم كانت معبراً بين قارتين، تتصل بالبحر من جهة وبالبر من جهة اخرى، اصبحت طريقاً للقوافل وممراً للطرق التجارية بين الهند من جهة وسوريا ومصر من جهة اخرى. وكان للقوافل محطات تجارية نظير مكة، وكان العرب يعملون في التجارة فبعضهم ادلاّء القوافل وبعضهم تجار يشترون البضائع وينقلونها على ابلهم بين الجزيرة والشام وكان لقريش رحلتا الصيف والشتاء. وبفضل هذه الحركة التجارية كثرت عندهم الثروة في المدن وعظم شأن التجار حتى قالوا: «من لم يكن تاجراً فليس عندهم بشيء».
ونحن لو قابلنا التجارة بغيرها من موارد الثروة - اعني الصناعة والزراعة - لوجدنا ان تقديمها عليها خطر وقصر نظر. فالتجارة هي طلب المال من اقصر الطرق واقلها تعباً وهي تعتمد الغش في احيان كثيرة والمخادعة وترويج البضاعة او ترويج الكلام. وهي كمصدر للثروة باب ضعيف غير مستقر، لانها تعتمد على الزراعة

