والصناعة ولا حياة لها بدونها. وان هي اعتمدت على بضائع الخارج كما كان الحال في جزيرة العرب، وكما هي الحال عندنا في لبنان، فاعتادها معرض للتقلب والزوال، لان هذا الخارج قد يقطع عنا بضائعه او يسيرها في سبيل آخر، او تنفد الثروة في البلاد فتعجز عن الاستهلاك. ولهذا نرى انه حين تحولت طريق التجارة عن جزيرة العرب الى البحر زالت تجارة العرب وزال موردهم فاضطروا الى الهجرة وتوغلوا في الفتوح. هذا في حين ان الزراعة والصناعة موردان شريفان. فالزراع يحصل رزقه بعرق جبينه، يحرث الارض ويزرعها فتدر له الخيرات، يشق الترب ويذلل الصخر ويجمل الطبيعة ويبتهج بنتائج عمله. ومورده ثابت، ان هو اخلص للارض اخلصت له. وهو في عمله مستقل عزيز النفس لا يحتاج الى المصانعة التي يلجأ اليها التاجر.
كذلك فان الصناعة وسيلة لاظهار مواهب الانسان الفنية وتخليد مآثره. فالصانع يخلق الجمال ويزيد الارض بهجة. يتعب في تحصيل خبره وقد لا يحصل على ما يكفيه لكنه يجد مكافأته في اللذة المعنوية التي يشعر بها حين يتم عمله ويستمتع برؤية مصنوعاته. فالصناعة والزراعة كلتاهما وسيلة لترقية الاخلاق بصورة لا يتوصل اليها التاجر، وكلتاهما للثروة مصدر دائم لا يتعرض لمخاطر التجارة.
ليس من السهل ان نلم بالاسباب التي ادت الى انحطاط الزراعة والصناعة في الاقطار العربية والراجح ان ذلك احد مظاهر الانحطاط العام الذي اصاب البلاد منذ القرن الثاني عشر، وليس تأثير البداوة الا احد الاسباب لا كلها. لكن الحقيقة المؤلمة هي ان هذا الانحطاط موجود وان معظم ثروة بلادنا في ايدي كبار التجار او كبار الملاكين وهذا هو الفقر بعينه. لأن حياة البلاد تتوقف لا على ثروة القلائل المعدودين بل على تمتع كل فرد منها بما يضمن له وسائل العيش السوي. وهذا ما لا تجده، فالصناعات والحرف على اختلافها قليلة او مفقودة. وهذا فلاحنا يصرف من السنة سبعة شهور بلا عمل سوى الجلوس قرب النار في حين كان يمكنه ان ينفق شهور البطالة في صنعة ما اسوة بسائر فلاحي العالم المتمدن.
اذا أجلت النظر في شوارع بيروت رأيت عدداً غير قليل من الشحاذين الاكراد والعرب. ولكن انظر حولك هل ترى شحاذاً واحداً ارمنياً؟ انك لا تجده. لان كل ولد ارمني يتعلم صنعة منذ نعومة اظفاره ومنهم من يتعلم صنعتين اذا كسدت الواحدة استعمل الاخرى. وهناك صناعات اشتهر بها الارمن وكادوا يحتكرونها في لبنان مثل التصوير الشمسي، التطريز، الموسيقى، رسوم الاعلان، وقد يضاف اليها تصليح الساعات وصنع الاحذية.
ولقد احسنت حكومتنا صنعاً حين ضيقت مجال النجاح امام طلاب البكالوريا وحاولت قصر الشهادة على النخبة الممتازة، ولكن كان عليها في الوقت نفسه ان تسهل هؤلاء الطلاب وسائل الارتزاق عن غير طريق البكالوريا والوظيفة وذلك بان تفتح لهم العدد الكافي من المدارس الصناعية والمهنية.
اما حياة الزارع فحياة ضنك وشقاء. يعيش على هامش الوجود لا اتصال له بالمدينة الا فيما ندر. معيشته واساليبه الزراعية لا تختلف عما كانت عليه منذ ثلاثة آلاف سنة. يشقى لغيره لان الارض في الغالب لا تخصه. تفتك الامراض الزراعية باشجاره وخضاره فيذهب تعبه سدى ولا يجد من يهتم بامره لان صاحب الارض في المدينة مشغول بتجارته والحكومة لاهية عنه بمشاكلها الخاصة.
هذه خواطر ساقتها اليّ مطالعة كتاب لباحث اجنبي عن حالة الفلاح في الاقطار العربية. عرض فيه الكاتب بالحقائق والارقام كيف ان شقاء الفلاح وجهله يؤلفان اهم مشكلة في هذه الاقطار التي تعتمد على الزراعة لحياتها والتي يؤلف فيها الفلاح نحو ثمانين في المئة من السكان.
وقد رأيت ان أثبتها لعل اولئك الذين يعرضون لنا المثل العليا الصحراوية باحرف من نور يخففون من غلوائهم ويحولون انظار الناشئة الى الناحية العملية المهملة عندنا، ناحية الزراعة والصناعة، ويعلمونهم براعة الايدي قبل براعة اللسان.
ولعلي اعود الى كتاب وولرس في فرصة اخرى.
