في الثاني عشر من ايلول ، لمئة سنة خلت ، وقفا امام المذبح واصبحت اليزبث باريت زوجا لروبرت بروننج . كان هذا في كنيسة هادئة من احدى ضواحي لندن . وبعد الاكليل اقلما الى ايطاليا ، تلك البلاد الخلابة التي كانت اليزبث تحلم بها وتتمنى زيارتها .
لم يعرف الناس في تاريخ الادب الانكليزي ، شاعرين موهوبين ، نظير اليزبث وروبرت بروننج ، داسا على التقاليد وادهشا العالم بحياتها التي لم تكن في يوم من الايام الا الحياة الزوجية المثالية السعيدة . ويندر ان تطابق قصائد الشاعر حياته الخصوصية كما هي الحال مع بروننج والدليل على ذلك الرسائل التي تبادلها الحبيبان قبيل الزواج . فهي شاهد ناطق على الحب الصادق المنتصر . وان هذه الرسائل ، وان تكن توقفت بعد الزواج حيث لم يعد من داع ملح لها ، غير ان صدى سعادة الزوجين وائتلافهما ، كان يظهر في قصائدهما ، وخاصة «الموشحات» التي اشتهرت بها اليزبث .
الان وقد مر على زواج هذين الشاعرين مئة سنة ، ينظر العالم الى نجاح هذا الزواج كأمر واقعي طبيعي لكن الحقيقة ان اسبابا عديدة ، كان من المحتمل ان تجعل هذا الزواج فاشلا والى حد كبير . فقد كانت اليزبث في نحو الاربعين وكانت في السنوات الخمس الاخيرة شبه مشلولة تشكو ضعفا في
الرئتين وانحطاطا في اعصابها على اثر غرق فوفاة احب اخوتها اليها . بينما كان روبرت في نحو الاربع والثلاثين ، يمتلئ شبابه صحة ونشاطا .
اما شهرته كشاعر فقد بدأ في اكتسابها منذ ان تزوج اليزبث ، ولم يكن شعره ذائعا قبل ذلك . ولم يكن احد يفضله في الشعر عليها ، الا اليزبث نفسها .
وكان والد اليزبث رجلا فظا متحجر العقل ، شرس الطباع . وحمله شذوذ طبعه على منع اولاده التسعة من الزواج ولذا لم يشك احد بزيارات روبرت لاليزبث التي كانت كبرى اخوتها وابعدهن عن الافتكار بالزواج . وقد كتب روبرت في اول رسائله اليها ، في يوم من ايام الشتاء الباردة يقول :
« احب ابيات شعرك من كل قلبي يا آنسة باريت العزيزة ، حتى انها اصبحت جزءا مني . وان شعرك العظيم الحي ، قد نمت ازهاره وتأصلت جذورها في . اني احب كتبك هذه ... واحبك انت ايضا »
ويدفعه حماس الشباب لزيارتها يوما ولفاتحتها بأمر الزواج فتلقاه الممرضة وتعتذر لانحراف صحة الانسة اليزبث واستحالة استقبالها اياه . فيعود ادراجه ويكتب اليها رسالة يلح فيها عن شعوره ونيته ويوقظ في قلب اليزبث املا كان سراجه قد انطفأ منذ سنين ! فتكتب ردا بريديا تقول فيه : -
« احقا انت تأسف لضياع الفرصة ولعدم رؤيتك اياي في ذلك الوقت ؟ »
وارجأت زيارته لاربعة شهور ... وربما ارادت بذلك ان تثق من شعورها نحوه ومن موقفه نحوها ، وتعطي نفسها الوقت الكافي للتأمل . وهالها ما رأت في غضون خديها وذبول عينيها من آثار مزمنة ، لهموم كثيرة ، وليالي ارق طويلة . وصعب عليها ان تشجع هذا الفتى الشاب على التقرب منها وكل ما فيها من جمال وسحر منحصر في شعرها ليس غير !
وزارها في احدى صبحيات ايار ، وتكررت زياراته الاسبوعية . وكان يتسلح بباقة غضة من الورود الحمراء لينعش قلبا كان قد قطع امله من التمتع بنظرات الحبيب الدافئة والاستكانة اليه .
واغرب ما في الامر ان صحة اليزبث اخذت في التقدم وفعلت اجتماعات بروننج بها ما عجز الاطباء عن فعله ... وبعد سنة من زيارته الاولى لها ، تجرأت اليزبث ان تخطو بضع خطوات ، واشار عليها طبيبها الخاص بان تقضي الشتاء خارج انكلترا لكن اباها اقفل هذا الباب بكلمة واحدة ، ولم يمر قلق ابنته على صحتها التفاتا قليلا - الامر الذي حمل اليزبث على التفكير والاقدام على عمل خطير ، اذا شاءت ان تحيا وتبتعد عن القبر الذي هي فيه - الا وهو السكن مع ابيها تحت سقف واحد .
اما السبب الوحيد لترددها فقد كان خوفها من ان تظلم روبرت بزواجها منه ، وقد كتبت اليه بهذا الصدد تقول : -
« ان انت وهبتني حياتك ، وانا

