وضعت كل قلبي في سبيل اسعادها ، فماذا عساني ان اكسبها غير الالم والشقاء ؟ واني مهما سخوت في اعطائك فلن ابلغ الحد الذي اصبو اليه » .
اما برونينج فقد كانت نظرته للامر تختلف عن نظرة اليزبث . وجزع ان يكون الزواج سبباً لتأخر صحة اليزبث ، بدلاً من تقدمها فكتب اليها يقول :
« انا لك الى النهاية ، ويعلم الله انني لا اتساهل ان تتحملي في سبيلي اقل اذى ... وان بدر مني ما قد يؤلمك فان ذلك يكون عن جهل لا عن تعمّد ! »
ويعذلني
ويعذلني النـاس في حبّهوأعذل نفسي واستغفرُ
وإما تراءى نسيتُ الذيوعدتُ وبحتُ بما اضمرُ
على غرّةٍ ، هام قلبي بهوأسأل نفسي ولا أعثرُ
على سبب . إن فهم الهوىعلى المبتلين به يعسرُ
حبيبي ! فما يبتغي المفسدونبما رقّشوه وما زوّروا ؟
تذوب الاكاذيب في نظرةاليّ اذا جاء يستفسرُ
ويخفق قلبي ويختـاننيلساني اذا رحت استعذرُ
أراه فـلا عيبه ظاهرٌلعيني ، ولا شره يظهرُ
وما من جمال ولا غبطةاذا لم يكن وجهه الاسمرُ
يسود واعنو له في الهوىوتصغر نفسي ويستكبرُ
أنا في يديّ حبّه وردةيدغدغها الحب او ينشرُ
( من ديوان « قارورة الطيب » تحت الطبع )
يوسف غصوب
وجاء اليوم الذي حدداه للاكليل . وفي سبت من اوائل ايلول خرجت اليزبث من بيتها كالمعتاد . اجتمعت بروبرت في مكتبة صغيرة في منعطف متواضع ، وبعد ربع ساعة وقفا يداً بيد ، امام الكاهن ، يعلنهما زوجين ! وعادت اليزبث الى البيت كأن امراً لم يقع ! لتنتظر اسبوعاً آخر بينما يكون روبرت قد هيّأ للسفر . وكتمت الامر حتى عن اخوتها لئلا يتسرب الخبر الى والدها ويقطع عليها طريق السعادة التي كانت تنتظرها .
واخيراً انقضت الايام السبعة ،
وتركت اليزبث البيت : كلبها فوق ذراعها ، وخادمتها الخصوصية الى جانبها . والتقت بروبرت في المكتبة نفسها وسافرا الى باريس ومنها الى فلورنس فقنيس وغيرهما من المدن الايطالية التي كانت لسنة خلت ، حلماً من احلام اليزبث البعيدة التحقيق !
وفي السنة الثالثة لزواجهما ، عندما كانت اليزبث في سنتها الثالثة والاربعين ، رزقت ولداً ذكراً ، فكان هذا الحدث متمماً لسعادتها ، كيف لا وقد شهد الحبيبان ثمرة حبهما واخلاصها .
عاش الزوجان الشاعران في ايطاليا خمس عشرة سنة يظللهما الهناء ، باجنحته الوارفة . وكانا حكيمين بحيث لم يدعا امراً واحداً يعكر عليها صفو حياتهما . وكانا يجلسان لنظم الشعر ، كلٌ
في غرفته ، ولم ينظما مرة واحدة مجتمعين في غرفة واحدة . حتى ان اليزبث عندما انتهت من نظم قصائدها الغرامية الخالدة ، فاجأت روبرت بأن دستها المجموعة في جيبه وكان هذا اول علمه بها .
وفي سنة ١٨٦١ ، في العام الذي توفي فيه زوج الملكة فكتوريا ، توفيت اليزبث متأثرة بمرض البرونشيت . حزن برونينج على اليفه ، وهجر عشها الجميل في ايطاليا ، عائداً الى انكلترا حيث تمتع بشهرة واسعة كان يطمح اليها .
وبعد ثلاثين سنة ، لما قدّر لبرونينج ان ينام نومته الابدية بعيداً عن حبيبته اليزبث ، انشدوا له ساعة الدفن ، ترتيلة من نظمها ، تقديراً لعظمتها ، وتخليداً لذكرها الطيب .
ليس كل العالم يحب الشعراء ولكن كل العالم يحب المحبين . ولقد شهد هذه الرواية الغرامية آلاف الالوف من الناس ، على المسرح وعلى الشاشة . ولا ينكر احد ان هذين الشاعرين هما شاعران بالحق . وذلك بفضل حبهما واخلاصها وحياتهما معاً . وسيبقى شعرهما مخلداً ، ما بقيت القلوب تنبض بالحب الشريف الخالد .