
تغادر الغرفة : « لا بأس اذا شحنت احذيتك في هذا القطار ولكن احذية الماما والبابا لا شأن لك بها ... » وادرك غسان قصدها بوضوح . وبعد سنتين دخلت الام غرفة غسان فرأته ينظم اغراضه بنفسه ولا يسمح لاحد بترتيب ما يسميه « مكتبته » وهي طاولة صغيرة في زاوية الغرفة ، بل يرتبها بنفسه ولا ينسى مزهريته الصغيرة فيغير ماءها كل يوم ويجدد ازهارها كلما ذبلت . ويتغنى بجمالها ويصرح بان منظرها يبهجه اثناء عمله .. وقد يدخل غرفة والديه بين الحين والحين لغرض ما ولكنه لا يمس شيئاً من اغراضها .
ان اهم عنصر في تكوين العادة هو التقليد او المحاكاة . فالطفل بطبيعته اكبر مقلد وخاصة لمن يحبه من الناس ، فكم يجب على الابوين ان يتجنبا التعرض لكل ما من شأنه ان ينقض عادة صالحة في الطفل . فتى رغبت الام تعويد طفلها غسل يديه قبل الاكل لا يجوز البتة ان تسمح هي لنفسها بمخالفة هذا القانون مرة واحدة ولتثق ان طفلها اكثر ملاحظة منها لامور كهذه .
(٣) وصف الطبيب لسمير وغاده تعاطي زيت السمك قبل الاكل ، وحببت الام لها ذلك ووصفت فائدته في اجسامها حتى باتا ينتظران حلول موعد الاكل لشدة رغبتها في تناوله . وصدف ان مرّ الوالد بها صبيحة احد الايام وهما يشربانه فاظهر بعض الاشمئزاز وصرح لزوجه على مسمع من الطفلين بان والدته لم تنجح في يوم من الايام في اعطائه زيت السمك رغم شدة حاجته اليه ... فكانت هذه الملاحظة المختصرة كافية لان تقلب الموقف رأساً على عقب ولم يعد الطفلان يأخذان زيت السمك الا جبراً . فكم كان حرياً بالوالد
المنقل ان يحثهما على متابعة شربه ويعظم لهما فوائده في اجسامها ويخفي ضعفه ويتظاهر بان اهم سبب لقوته وطول قامته هو تناوله زيت السمك وهو طفل ... وكم كانت عندئذ تتضاعف رغبة سمير وغاده في شربه بشهية ولذة ! ...
وليكن رائدنا الصدق والصراحة في غرس العادات الصالحة في اطفالنا وذلك لكسب محبتهم المطلقة ، ليكون تقليدهم لنا عن ثقة وايمان .
(٤) رأت طبيبة الروضة ضرورة تطعيم الاطفال كافة ضد الحمى فاوقفتهم صفاً واحداً واخبرتهم ما هي عازمة ان تفعل واوضحت لهم ضرورة ذلك لتجاشي اصابتهم بالمرض ، وتكلمت بلهجة عسكرية قالت : « انتم الان ايها الاطفال كالجنود فليرفع كل طفل كمه هكذا مثلي ولينتظر دوره بهدوء كما يفعل الجنود تماماً وسنبدأ بالمعلمات . وطعّمت المعلمات وكان الاطفال يراقبون شجاعتهن بدقة ... ثم جاء دورهم وتطعم الخمسون طفلاً دون صرخة واحدة فكان الطفل يعبق الدم في وجهه في اللحظة التي تعطى فيها الابرة ولكن لا يلبث ان يصفو لونه فينظر الى رفيقه الثاني ويقول : « انها لا تؤلم ! » فيتقدم الثاني متأثراً بهذه الفكرة ولا يجرأ على التلفظ بشيء خوفاً من الفشل بين رفقائه فهو جندي ! والجندي لا يخاف من ضربة الابرة فهل يجوز ان تخونه شجاعته دون الجميع وكل ما في الامر هو تحمل الالم لحظة واحدة !! ؟ . واصبحت الشجاعة عادة كجميع العادات . وطعّمت الطبيبة الاطفال بعد ذلك ضد الشفقة وضد الجدري ولم تلاق في ذلك اقل مقاومة .
(٥) زرت احدى صديقاتي وكان الوقت ضحى فاستقبلني طفلها في ثياب النوم منبوش الشعر ، قذر الوجه والاطراف ، يتلهى بعنقود من العنب ، يأكل منه حبة ويقذف اثنتين في الهواء ... ولما حضرت أمه كاملة الزينة ، نهرته لوقاحته وصاحت بالخادمة لتأخذه وتجعله لائقاً للمثول بين الناس ، ولامت الخادمة لاهمالها امر تنظيفه ولامت طفلها لوساخته ، وكأنها بذلك ، ابعدت كل ملامة عنها ، وعن تقصيرها وعجزها عن تعويد طفلها النظافة ... ففي صدد هذه البادرة اقول :
في تأسيس عادة النظافة والترتيب في اطفالنا ، علينا ان
