في السنتين الأخيرتين ازداد تيقظ رجال العلم. وهبوا من مقرات انعزالهم، يعبرون عن آرائهم بما يختص بالمسائل على صفحات الجرائد والمجلات، ويحثون الحكومات المختلفة على التعاون بدلاً من التضارب، ويشيرون على الرأي العام بضرورة التآخي العالمي. وقصدهم من ذلك أن يوقظوا العالم من غفلة الطمأنينة والرضى الشاملة المستولية عليه، وينبهوا الفرد على المسؤولية الأدبية الملقاة على عاتقه.
لماذا يقلق علماء الفيزياء إلى هذا الحد؟ بينما نرى العالم مطمئناً واثقاً بمهارتهم وقدرتهم على أن يأتوا بالعجائب في القرن العشرين؟ ولماذا ينظر العلماء إلى العالم نظرة تشاؤم وجزع من الوضع الحاضر ولا يتورعون عن التصريح بآرائهم علناً؟
«إن نوعاً جديداً من التفكير ضروري إذا أراد الإنسان أن يبقى ويرتقي» هذا موضوع رسالة حديثة للأستاذ آينشتين يقول فيها: «باسم الأخوة العالمية، أعلن على ضوء المعرفة الجديدة، أن الاحتياطات الوقائية ضد القوة الذرية ليس مرغوباً فيها فحسب، بل هي ضرورية لبقاء الحياة» إذن فإن هذه المعلومات التي اكتشفها رجال العلم وقدروا خطورتها هي سبب قلقهم على مصير العالم. إنهم يقدرون بالضبط الإمكانيات والفظائع التي يمكن أن تتأتى عن القوة الذرية واستعمالها في الحروب. وهذه المعلومات لم تأتِ عرضاً لكنها نتيجة أبحاثهم الطويلة المضنية - وهي الآن همهم الوحيد وكابوس أفكارهم المزعج. وهم مقتنعون أن الطبيعة الشريرة في الإنسان هي التي طمحت لاكتشاف هذه القوة الذرية المريعة وأن هذه المعضلة لا تُحل إلا عن طريق الأخلاق والوسائل الإيجابية الرادعة للشر.
لقد أثبت العلم أن القنابل من الطراز الذي قذف على ناكازاكي يمكن أن تُنتج بكميات واسعة. ويُعتقد أن قنابل المستقبل لن تكتفي بقتل الناس وتخريب المدن شأنها بُعيد انفجارها الهائل فحسب، بل الأفظع من هذا كله أنها ستملأ الفضاء «بالذريات المشعة» التي من شأنها إبادة الحياة بالكلية بدون أي تخريب في البناء. ويغلب الظن أن أكثر من أمة واحدة ستخزن كميات ضخمة من هذه
القنابل في خلال الخمس عشرة سنة المقبلة. وما دامت إحدى الدول لم تتورّع عن استعمالها فماذا يمنع من أن تحذو الأمم الأخرى حذوها؟
قالت طائفة من ذوي النفوذ مستندة على معلومات خاطئة أن هناك وسائل للوقاية والاندفاع ضد هذه القنبلة ولكن العلماء يدحضون هذا الزعم، وذلك نتيجة أبحاثهم العلمية الطويلة المثبتة، ويرون فيه تضليلاً للرأي العام، وارتياحاً كاذباً لوضع فيه كثير من الخطر على الحياة.
والطريقة المتبعة لتنفيذ الخطط الدفاعية الواقية ضد القنبلة الذرية هي أن تُكتشف هوية الطائرات المهاجمة، ويُعين اتجاهها وهي على مسافة آمنة والطريقة التي ستتبع في الهجوم. وهذه الملاحقة للطائرات تحتاج إلى أجهزة عظيمة، واختصاصيين متمركزين في نقاط متعددة، ومصاريف باهظة؛ وأنها لعمري صناعة دقيقة بحيث سيستحيل التأكد من ضبطها على أكمل وجه.
أما الحل الوحيد فهو احتياجنا لقوة دفاعية تجعل القنبلة عديمة التأثير إما بأن تحول دون حدوث الانفجار أو بأن تغير اتجاهها وسرعتها بحيث تنفجر بعيدة عن الهدف المقصود، ولهذه الغاية تتحتم دراسات عويصة معقدة يندر أن تكون نتيجتها مرضية.


