وما الطفولة سوى اولى مراحل الحياة ذات الأثر الفعال في تكوين الشخصية ، وليست هذه المرحلة الخطيرة القصيرة الا اياماً هانئة عزيزة نقضيها بامان ووداعة بين اكناف امهاتنا وآبائنا وذوينا فتخلد في مخيلاتنا صوراً نقية رائعة لا ننساها ابداً ولا نجد للذتها مثيلاً مهما تعاقبت الايام وتوالت السنون . بل يظل كل منا يذكرها ويستعيد حوادثها الممتعة بحسرة وحنين لانها الصفحة الاولى من تاريخ حياته والركن الاساسي في بناء صرح اخلاقه وطباعه ولان عهد الطفولة هو عهد المرح الذي لم يكن قد تم فيه نمو الفكر والشعور بالمسؤولية ووجوب القيام باعباء الحياة وواجباتها .
في سنتي ١٩٢٧ - ٢٨ ، في قرية مؤنسة صغيرة من قرى الكوره في لبنان الشمالي ، في « اميون » حيث كان والدي منفياً مع رهط من اخوانه كان منهم فارس بك الخوري عميد الكتلة الوطنية حينذاك وسعد الله بك الجابري وفوزي بك الغزي رحمهما الله ، تصرّم العامان الرابع والخامس من طفولتي وقد خلدا في ذاكرتي صوراً ناطقة بالسعادة والمتعة والاعتزاز واللهو البريء الساذج . فلقد سمحت السلطة المنتدبة الشريرة لوالدي وزملائه ان يصطحبوا عائلاتهم فجعلوا مني سلواهم وموضع اهتمامهم اذ كنت الطفلة الوحيدة معهم يومئذٍ وكأني كُتب عليَّ الابعاد ايضاً عن منبت غرسي ومسقط رأسي ... بيد اني لم افهم لهذا الابعاد معنى ولم أشعر
بألمه المضض ولله الحمد !
يا لذكريات الطفولة ما أجملها ! لا ازال اشعر بالهناءة حيناً أتخيلها ، تافهها وممتعها ، فأحس بعذوبتها الساذجة الرائعة ! أذكر ساعة فطور الصبح وأرى والدتي تحمل البيضة لتطعمني اياها ووالدي يهلل ويصفق ويريني العصفور قائلاً :
- اسرعي وكليها يا سلمى لانه قادم لاختطافها منك !
فأزدردها برغبة وقد ايقنت بصحة قوله وخشيت سوء العاقبة ...
اذكر مسابقات العدو التي كنت افوز فيها دائماً فأهزأ بوالدي واخوانه الذين كانوا يعجزون بل يتعاجزون عن بلوغ الهدف المعين ... فأظفر بالتفاح والاجاص والحلوى والتهمها بنهم ايقظه السرور بالفوز ورنين ضحكاتي البريئة وقهقهاتهم الساخرة يتعالى في الفضاء فيرجع الوادي صداه بعيداً ... عميقاً ..
اذكر اليوم الذي وقفت فيه بين جموع الكشافة والشباب الوطني الذين جاؤوا من بيروت وطرابلس الى اميون لزيارة الزعماء المنفيين ، وذلك لاشكرهم على زيارتهم الرقيقة هذه ، فخطبت فيهم مرددة العبارات الحماسية التي أُقنتها ونشدت من اشعار شوقي الخوالد مقاطع من قصيدته العصماء :
سلام من صبا بردى ارقّ
ودمع لا يكفكف يا دمشق
وللاوطان في دم كل حرّ
يد سلفت ودين مستحق ...
وما كدت انتهي من الخطابة والالقاء حتى تناولتني الاكف وتقاذفتني
الايدي ...
اذكر ليلة شكوت من ألم مصطنع في معدتي تهرباً من النوم المبكر الذي عودتني اياه امي وقد سمعت اصدقاء الدار يمرحون ويتساقطون الحديث ، فاضطربت امي العزيزة واحضرت لي فنجاناً من البابونج الذي كنت اكرهه بيد اني شربته على مضض تخلصاً من النوم ... وفي اليوم التالي لجأت الى ذات الحيلة ولكن السر انكشف وكان لي نصيب وافر من التأنيب على هذا المكر والخداع ...
هذه صور من ذكريات الطفولة اعادها الى مخيلتي ما كان لها من اثر عميق في نفسي والامل الوطيد بان افوز بالجائزة الاولى لمسابقة مجلة « صوت المرأة » الزاهرة ... فليت مهد الطفولة دائم او ليت متعه تساير الانسان وتماشيه على تعاقب الايام ومر السنين ! فاذا كان عهد الشيخوخة مليئاً بالحكمة والدراية خالياً من الآمال والاماني العذاب فان عهد الطفولة خالٍ من كل رصانة واتزان مليء بالاحلام الذهبية والآمال الجسام ، فشتان بين الانسان شيخاً وبينه طفلاً ! فالطفل يدخل دار الحياة الدنيا وهو يعدو بين جنباتها رافع الرأس جذلاناً مشتاقاً وكأنه يريد التهام ما فيها اخضر ويابساً ، في حين ان الشيخ يسير بتؤدة نحو باب الخروج منها متكئاً على عصاه ، حانياً ظهره ، ويرمي بنظرات دامعة الى ما وراءه ليرى بعين الامل وقد نضب ، وينبوع النشاط وقد جف ، وعود الشباب وقد ييس ... غير ان هنالك شبهاً كبيراً بين الطفل والشيخ يعود الى جبههما للحياة وشعورهما بلذتها ومتعتها ، فالانسان ينتهي من حيث يبتدىء ! وهذه قصة الحياة ...

