اذا كان الرومان قد سموا اليمن «بلاد العرب السعيدة»، واذا كان العرب الاقدمون قد سموها «اليمن الخضراء»، فقد اعتاد الناس في هذا العصر ان يقولوا عنها انها «بلاد العرب المجهولة».
وهذا حق، فالناس ما يزالون يجهلون الكثير عن ماضي اليمن وحاضرها.
ولا شك ان ليس في اليمن شيء مجهول كالمرأة اليمنية التي ما زالت تحتجب وراء ستار كثيف من علامات الاستفهام.
ولا اذكر اني قرأت عن المرأة اليمنية اكثر من فصل او فصلين يغلب الخيال فيها على الواقع ولا غرو، فجل ما نشر عن اليمن حتى اليوم، كان باقلام رجال غرباء عنها، لم يتمكنوا من التغلغل في حياتها العامة، فضلاً عن الحياة النسائية فيها.
وانه ليسعدني ان اكون اول امرأة عربية تتحدث عن اختها اليانية، بعد ان اتيح لي ان امتزج بها، واختبر بنفسي عاداتها وخصائصها.
ولا يمكن ان التزم جانب الدقة، اذا انا لم اميز بين المرأة اليانية التي تعيش في المناطق الجبلية، والمرأة التهامية التي تعيش في المدن والقرى الواقعة على السفوح الغربية من جبال اليمن والمنتشرة
فوق الرمال الوعثاء من سهل تهامة المنبسط على طول الشاطئ الشرقي من البحر الاحمر.
وسأتحدث اولا عن المرأة اليانية التي تعيش في المناطق الجبلية، على ان اعود فاتحدث عن المرأة التهامية.
تتميز المرأة اليانية التي تعيش في المناطق الجبلية بانها، بصورة عامة، ولا سيما في المدن كصنعاء وتعز، قصيرة القامة، هزيلة الجسم. وهي دقيقة الملامح، ناعمة السمات.
وقد يكون الجمال الرائع نادراً في اليمن. ولكن القبح يكاد يكون معدوماً.
ولعل اجمل ما في اليانيات عيونهن. ففي عيونهن السود جاذبية نفاذة، واشعاع من الحيوية والذكاء وصفاء النفس.
والمرأة اليانية، بالاجمال، سمراء. ولكنها ليست شديدة السمرة، كما يتصور البعض. بل هي، ولا سيما في المدن، شاحبة اللون شحوباً يضفي عليها نعومة خاصة، ويذكر ببيض النعام الذي كان شعراء الجاهلية يشبهون لون معشوقاتهن بلونه.
ويوجد، ولا سيما في صنعاء، عدد من النساء الشقراوات الملونات العيون، يجري في عروقهن غالباً الدم التركي او الشركسي.
والمرأة اليانية سافرة الوجه في القرى، كسائر قرويات العالم الاسلامي. ولكنها في المدن تضرب على نفسها حجاباً فوق حجاب، ورداء فوق رداء، كغلاف الذرة الصفراء.
تكتفي القروية في اليمن بارتداء السراويل الطويلة الساقين حتى الارض، ومن فوقها وفوق القميص الداخلي ثوب طويل الكمين حتى المعصمين ينسدل حتى يقارب القدمين، ويسمى في اليمن «زَنّة». وتضع القروية على رأسها غطاء ابيض تشد به شعرها، ومن فوقه «القرقوش» (تلفظ القاف في اليمن كالجيم المصرية)، وهو لباس خاص بالرأس يحجب الجبهة والشعر والاذنين والعنق، ويكشف عن الوجه فقط.
ويختلف لباس الرأس في المدن بالنسبة الى المتزوجة عنه بالنسبة الى العذراء. فالعذراء تلبس وحدها «القرقوش»، اما المتزوجة فتضع على رأسها «المصر»، وهو (ايشارب) كبير الحجم، وتضع فوق جبينها «عصبة» تربطها فوق «المصر» عند مؤخرة الرأس.
والمرأة اليانية التي تعيش في المدن، لا تكتفي، سواء كانت متزوجة او عذراء، بكل هذا، بل تضع على رأسها، اذا ارادت الخروج من بيتها، «الستارة»، وهي غطاء كبير مربع تحجب به وجهها. وترتدي فوق كل ما تقدم «الشرشف»، وهو غطاء كغطاء السرير كبير مربع، تلف نفسها به من قمة رأسها الى قدميها، ممسكة بطرفين منه بيديها، لئلا يطير مع الريح، تاركة فجوة حول وجهها المحتجب وراء «الستارة».

