نشأ شوبرت في عصر تعددت فيه قيم الحياة وتنوعت مشاكلها. لقد نشأ في القرن الثامن عشر عصر العدل والحرية وعصر ثورة الفكر على العاطفة، فترعرع على هذه المبادئ المأثورة في ذاك العصر. ورغم ما لاقاه من تشجيع لفكرة ثورة الفكر على العاطفة فكل هذا لم يحل دون انقاد شعوره وجموح احساسه. فشب وكبر على شيء وافر من الطموح والشعور الجياش.
لقد كان شوبرت ينعم بنفس غنية المواهب والنزعات. ولما كانت ألحانه مرآة حية تعكس ما يختلج في نفسه من هواجس وحدوث تنوعت الحانه وليست حللاً شتى اختلفت مع هذه الضروب من الوان الحياة النفسية.
لقد صور لنا مختلف نزعات العصر في الحانه. فهو المصور المبدع والمفكر الثائر والمصلح المخلص لوطنه وكل هذه الصفات تتجلى بأبهى واسمى مظاهرها في كل مقطع من مقاطع الحانه.
فاذا أصغينا الى معزوفاته تحت عنوان «ليد» Lied عثرنا اولاً على نوع من التأليف فريد في جنسه لان شوبرت هو اول من ابتكر تأليف «الليد» اعني القطع الموسيقية التي توحيها قطع من الاغاني. وهكذا فقد جمع بين لغة الكتب ولغة الالحان. وقد احدث ظهور «الليد» ثورة شائقة في عالم الموسيقى لما تجلى به من صدق العبارة وقوة السبك وسلاسة الديباجة. وقد تحتوي هذه المعزوفة على مجموعة من القيم الايجابية لحياة جديدة ينادي بها شوبرت ويخاطب بعبارة السهلة مختلف طبقات الشعب. لقد ثار في هذه القطع على الاقطاعية والاشتراكية ونادى بمذهب احلامي جديد يوفر لوطنه حياة سعيدة ويخلصه من رغبة المستثمر الاجنبي. وهكذا فقد شب شوبرت على هذه الفكرة واخذ يناضل بفنه في سبيلها.
اما مجموعة الحانه تحت عنوان «Impromptu» فقد تعبر عن مقدرة هامة في حسن التأليف. وهي مجموعة تنعم بشيء وافر
من الميلوديا السحرية الرومنطيقية وهي سمة اخذ يقسم بها شوبرت، فقد دخل العقد الثاني من حياته. ففكرته الرومنطيقية لم تكن فكرة العصر السائدة بل ادخل عليها تعديلات طفيفة تتلاءم مع طبيعته النفسية. فقد دانت ردحاً من الزمن بمذهب الرومنطيقين المتطرفين كلامرتين وجوته وشيلر. ثم اخذت نفسيته تتكون شيئاً فشيئاً مقتبسة من مختلف المذاهب قيماً جديدة. فدمج شوبرت كل هذه القيم وكون منها فكرة جديدة نشأت على البعض من اسس الفكرة الوجودية. فاوضح عن مذهبه في مذكراته قائلاً: «كلما تقدمت في الحياة تنوع مذهبي مع مطالب العصر والمحلة التي اسكنها. واما اساس فكرتي فهو مبني على العاطفة المتقدة والتفكير الطارئ عن سبيل العاطفة.» فكيف لا نلمس عن قرب الفكرة الرومنطيقية عندما نعلم مقدار العاطفة الثورية المتقدة في كيان شوبرت؟ ولعل اهم اسباب جموح عاطفته اخفاقه في عالم الحب. فلم ينعم طيلة حياته بحب صادق حتى تعرف بفتاة قروية تدعى «كرستين لوبلو» فصمم النية على اشراكها في حياته فلم
ينتج له احواله المادية تأسيس عائلة تتقاضى مصاريف باهظة في حين لم يكن يدخله ما يتقوت به. فتركته حبيبته واقتلت راجعة الى سويسرا. اما هو فشرع بكسوف نور شمسه وانعكف على ذاته يؤلف Symphonie Inachevée السمفونيا الخالدة على اثر هذا التطاحن النفساني.
ان السمفونيا هي اروع معزوفة الفها شوبرت في حياته. لقد صور فيها مرحلة كاملة من مراحل ولوج العاطفة في النفس. فخرجت الحانه صادقة حية لما توحيه للسامع من مشاكل نفسية واقعية. فقد اخذ يؤلفها عندما علق قلبه بحب الفتاة المذكورة. فكان كلما نمت العاطفة دون تأثيرها في الالحان حتى اذا اصغينا الى المعزوفة شعرنا جيداً كيف تنمو عاطفة الحب وما هو مقدار مساهمة القوى الدافعة في اغاثتها. وفي المقطع الاخير من السمفونيا عندما يصل مقدار الحب الى اسمى درجاته يسمعنا «الأكورات» المتتابعة المثقلة بالافكار الهزيمة، لان شوبرت كان قد بدأ يشعر بالهزيمة حين غادرته «كرستين» فمات دون انعام السمفونيا تاركاً لنا في المقطع الاخير نتفاً من الزفرات الملتهبة كانه يقول: لندع القدر يكمل ما بدأه.
وهكذا فقد تجلت حياته تجلياً صريحاً في «السمفونيا» اذ قال على اثر تأليفها: «ان ابدع ما انتجت من الموسيقى هو ثمرة آلامي واشد آسائي واحزاني».
ولعل اشد الالام في حياة الفرد قد تكون مصوراً للافراح والمسرات في حياة الجماعة. ويقول علماء النفس في ذلك: ان القطع الفنية المبتكرة النادرة دليل قاطع على نزاع وجداني ومعركة عاطفية وانه ينبغي لذلك ان تكون سمفونيا شوبرت الرائعة الخالدة التي مات قبل اتمامها حجة قاطعة على انه أخفق في فض المشاكل التي تحاول نفحات هذه السمفونيا ان تصف وقائعها واسبابها، اي انه خسر المعركة النفسية. فاذا كان شوبرت قد خسر المعركة النفسية فهو قد ربح ولا شك تقدير الجميع واعجاب اصحاب الفن والذوق الرفيع وهو ايضاً قد تبوأ عرش عباقرة الموسيقى العالمية.
في ١٠ سبتمبر ١٩٤٧

