لقد تمت المعجزة. ومن الناصرة ظهر الناصري. ومن امة جاحدة، مناوئة على امرها، غارقة في حمأة الذل والاثم، ظهر اطهر انسان في الوجود. واستمرت في اعماله وأقواله، في حياته وبعد موته، غرائب المتناقضات.
« قد سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك.
« اما انا فاقول لكم: أحبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. لانه ان احببتم من يحبكم فأي فضل لكم؟
« قد سمعتم انه قيل: لا تقتل ومن قتل يكون مستوجباً العقاب.
« اما انا فاقول لكم ان كل من يغضب على اخيه باطلاً يكون مستوجباً العقاب.
« سمعتم انه قيل للقدماء: أوفِ للرب اقسامك. اما انا فاقول لكم: لا تحلفوا البتة! بل ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا. »
وجاؤوه بامرأة زانية ليحكم برجمها فقال: « من كان منكم بلا خطيئة فليرمها اولاً بحجر! » ثم اخذ يخطّ على الارض ذنوبهم فانصرفوا خجلين.
وكان يجالس المنبوذين من رجال ونساء ويؤاكل العشارين والخطأة. اما الزعماء فكان يخاطبهم قائلاً: « ايها القادة العميان الذين يصدفون عن البعوضة ويبلعون الجمل، ويل لكم! لانكم تنقّون خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوءان اختطافاً ودعارة! »
وسألوه: « من هو الاعظم بيننا؟ » فجاء بطفل صغير وجعله في وسطهم وقال: « ان لم ترجعوا وتصيروا مثل الاولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات. »
وطلبوا منه ان يصبح ملكاً عليهم ويعمل لارجاع مجد اسرائيل فأبى وقال: « ان مملكتي ليست من هذا العالم! »
وعاش حياته القصيرة وحيداً غريباً ليس له موضع يسند اليه رأسه. واحتمل الصلب لاجل رسالته. ورغم انتشار هذه الرسالة في العالم، لا يزال الناصري يرى نفسه وحيداً، لانه لا يجد بين الملايين الذين يحملون اسمه من يستحق هذا الاسم.
جميع ما يروون عنه غريب يدعو الى التأمل. ولكن اغرب من ذلك كله حديث ولادته في مذود البقر، وصورة الطفل مضجعاً على التبن بين بهيمتين تحنوان عليه بجانب امه.
هذه الصورة التي كلما طال بها تأملي ازددت بها شغفاً لانها تريني كيف تولد العظمة في وسط الحقارة، ولانها ترمز الى قدسية الارض والمحراث ونقاء الطبيعة العارية التي طبعت في المسيح تأثراته الاولى وكوّنت روحانيته الصارمة.

