

تململ في فراشه للمرة الثالثة أو الرابعة دون أن يفتح عينيه، ولكنه هذه المرة رفع عنه أغطيته بهدوء، وقام للتو إلى النافذة، ودون أن يشعل النور في الغرفة، استمر واقفاً يرجع أنفاسه اللاهبة، ويلصق جبينه بالزجاج كأنه يحس به حرارة لاهبة. وسمّرت عيناه هنالك، حيث يلقي القمر بأشعته الشاحبة على صفحة البحر، فتتراقص وأفكاره، وتتراقص وخيالاته؟
إنه في ليلة العيد، ومع ذلك فهو يأوي إلى فراشه باكراً كما اعتاد في كل مساء، ولكنه الليلة يطلب النوم فما يستجيب له ويحاول نسيان نفسه فما يستطيع.
يا للغباوة.. وهل باستطاعة مخلوق ما أن ينسى نفسه ولو للحظة قصيرة، وكيف ينسى لإنسان مهما كان نوع شخصيته أن ينسى في الأعياد ذاته، والأعياد نفسها تذكّره؟!
إن بعض الأطباء لمتوهمون من غير ريب، وإلا لما سنّوا هذا القانون السخيف دون أن يكلفوا نفوسهم مشقة تجربته.
ولمعت عيناه ثم ضحك ضحكة فيها تهكّم وفيها حنق. لقد كان طيلة يومه منقبض النفس موزّع الفكر لا يستقر على حال، ومع ذلك فقد ران على نفسه هدوء أشبه ما يكون بهدوء الأطفال، بعد نوبة من البكاء ملحاحة، ودقّت ساعة الحيّ عشر دقات،
فاجفل وتراجع ليشعل النور، وليرتدي ثيابه مسرعاً، وليخرج من المنزل دون أن يكون خروجه ذلك عن علة، أو خطة مرسومة، بل دون أن يرتدي معطفه الذي يقيه قرّ هذه الليلة.
كانت السماء إذ ذاك قد بدأت ترسل رذاذاً من المطر، والأنوار ما زالت تشعّ من نوافذ البنايات المزدحمة، والناس يسيرون وقد فاضت وجوههم بالبشر، وكأن قلوبهم قد خلت من الأوصاب، وأكثرهم ينوء بما يحمل من هدايا طريفة، ولعب بديعة.
لعب!! يا للمنظر الآخذ.
وحيال دكان من دكاكين اللعب الشهيرة وقف يحدق من وراء الزجاج بدمية جميلة لها عينان زرقاوان وأهداب وطف، وقبعة مطرزة الحواشي.
ومرّت ساعة، أو بعض الساعة دون أن يحفل إنسان بوجوده أمام ذلك المخزن الحافل، بل دون أن يدري هو تماماً أنه أمضى ذلك الوقت الطويل شارد اللب تائه النظرات.
لقد رجع بذاكرته إلى أيام الأعياد الخالية، فلم يجد في أحدها طابعاً خاصاً
يميزها عن بقية الأيام إلا طابع الأسى الذي اتسمت به، فلقد ماتت والدته بعد ولادته بقليل، وكان ذلك في ثالث أيام رأس السنة... ووقف عند هذه الفكرة يلهث، فقد طالما جال في خاطره أن طالع الشؤم الذي لازمه وهبط المنزل يوم أن ولد، أن ذلك الطالع هو وحده الذي قضى على الأم الصغيرة، وهو هو الذي جعل والده يخسر في تجارته لأول مرة، منذ أن اشتغل في التجارة حتى تلك السنة التي أبصر فيها النور.
وهو أيضاً أنزل على عمّه الدمار منذ أن ساكنه وحلّ في بيته وإلا لما استرد والده مركزه، بعد شظف من العيش على أثر تركه المنزل، ولما ظل عمه يعالج البؤس حتى بارح بيته إلى المدرسة.
وزوجه! تلك المرأة البريئة، ماذا جنت ليشركها حياته! إنه من دون شك قد طوّح بأحلامها الحلوة، وقضى على أعز أمنية كانت تأنس بها وتطفر سعادة، وجنى عليها منذ أن أحبها، وأية جناية.
لقد أحبها حقاً، فأحبته كذلك، وزيّن لها الحياة معه نعيماً تحسدها عليه الكثيرات، فجاءت إليه خاصة مزهوّة، وما هو إلا الأشهر لا أكثر حتى راحت تعالج معه ارتباكه المالي، وتعدّ العدة لتدرأ عنها شبح العوز. ولكن عبثاً حاولت أن تقتصد، لأن الاقتصاد لم يعد يجدي شيئاً، وعبثاً حاولت أن تأخذ من هذا لتفي ذلك، فإنها تحت طائلة دين لا أول له ولا آخر، بيد أنها على الرغم من ذلك كانت تشعر بنوع من السعادة خفيّ له طعمه وله لونه، يدفعها أبداً إلى الجهاد، بل إلى التنعم بذلك الجهاد.
ولكنه هو، لا يحتمل أن يراها