تمنياتي ان اترك هذا البلد.
♦
بعد ساعة وقفت على احد الابواب ادق الجرس. فتحت لي الخادمة ولما رأت مظهري اخبرتي بلطف وادب ان السيدة ليست في البيت.
- لا بأس فانا جئت لزيارتك انت!
وبدا الاستغراب على وجه المسكينة وارتبكت ثم قالت وقد داخلها الشك بحسن نيتي:
- انا هنا مرتاحة يا ست ولا انوي ترك بيت معلمي.
- معاذ الله ان اكون جئت من اجل هذا لكن اسمي ... اريد ان اعلم منك ماذا تتمنين في العام الجديد؟ انا لا آخذ كثيراً من وقتك لكن اذا جاوبت اكتب جوابك في المجلة! ... وتقرأ السيدات اسمك واسم عائلتك.
وكأنما الفكرة راقت لها فراحت تصلح من هندامها وتسرح شعرها باناملها كانها ظنت بانني سآخذ رسمها لاجل الغاية نفسها ... وبرقت عيناها وافتر ثغرها عن ابتسامة بريئة. ثم قالت بعد تفكير:
- تمنياتي ان اجمع معاشي واشتري به «مبرومة» ذهباً وخاتماً ذهباً ... مرصع بالياقوت الاحمر! هذا كل ما اتمنى!
- حسناً هذا يكفي والآن اخبريني عن اسمك واسم عائلتك وكم عمرك؟
- اسمي ناديا عبده نوفل وعمري ١٣ سنة.
- بخاطرك ..
- مع السلامة يا ست!
♦
ركبت قاطرة الترام عائدة الى رأس بيروت وهناك دخلت زائرة على
السيدة سامية دمشقية ابو الجبين وهي تعد من السيدات الراقيات حقاً في هذا البلد. وما طال بنا المقام حتى اخبرتها عن الغاية الاساسية من زيارتي لها:
- ما هي تمنياتك في العام الجديد؟
وبدا الالم في عينيها الخضراوين ثم اجابت:
- وماذا عساني ان اتمنى غير حل لقضية فلسطين يكون في صالح العرب؟ وانني اتشائم من النتيجة فقد صرح الانكليز بانها ستكون برضى اليهود مع العرب (ورضاهم اولاً بالطبع!) واي حل ممكن ان يرضي الجميع؟ هذا مستحيل! ..
- وهل تتمنين غير هذا؟
- واتمنى ان يصبح ابناء بلادي نظاميين، غير فوضويين.
شكرتها وحييتها منصرفة.
♦
وبينا انا واقفة على زاوية الشارع، مر بي خادم مطعم .. عرفته من صحن الحمص المحمول على راحة يده فقطعت عليه الطريق وسألته اين يشتغل؟
- في ذاك المطعم بالقرب من الجامع - ومعلمي احسن فوال في البلد!
- انت ظريف! هات اخبرني ما اسمك وكم عمرك وماذا تتمنى في العام الجديد؟
- ليش كثرة هالسؤالات؟ انا مشغول وليس عندي وقت.
- انا لا اوخرك لكن عجل في الاجابة. انا مندوبة مجلة كبيرة وسأكتب اسمك فيها!
- اسمي محمد سعيد قعدي. عمري ١١ سنة ومعاشي ١٢ ليرة في الاسبوع.
- وهل انت متعلم يا محمد.
- لا. ولكنني اذهب الى الجامعة الاميركية واتعلم في مدرستها الليلية للاميين.
- ماذا تتعلم؟
- امس قرأت عربي وكتبت درسي وقال لنا المعلم بانه سيعطينا اليوم درساً في الحساب.
- والى متى ستستمر في هذه الدروس؟
- سأبقى اتعلم ما داموا هم يرضون ان يعلموني!
- وماهي امنيتك في العام الجديد؟
- امنيتي ان اتعلم القراءة والكتابة والحساب واكون آنذاك قد جمعت رأسمالاً من اتعابي فافتح لي محلاً تجارياً (واشار بيده الى مخزن قريب)
- عافاك يا محمد! سأذكر كل هذا في المجلة!
ابتسم محمد ابتسامة رضى وهرول وصحنه الى المطعم ولكنه عاد مسرعاً وهو يصيح بي:
- يا ست يا ست! لم تقولي لي عن اسم المجلة وميعاد صدورها حتى اشتريها!
فاعدت عليه الاسم ثلاث مرات حتى تعلمه. وافترقنا ...
♦
وجمعتني سهرة امس بالسيدة نجلا قرطاس زريق وهي قرينة الدكتور قسطنطين زريق، الذي تسلم نيابة رئاسة الجامعة الاميركية. وبعد ان تحدثنا طويلاً عن ذكريات التلمذة في الكلية وقارنا بين الحياة هنا وفي اميركا التفت اليها وسألتها السؤال نفسه فاجابت:
ندي امنيتان ربما تكون الاولى مبتذلة، لكثرة تكرارها لكنه لا
