

وقف العم ابو فؤاد ذات صباح وقد حمل فأسه ومعوله وتناول الزاد وهم بالخروج من البيت. فقالت امرأته: «لا تنسَ ان غداً العيد والاولاد ينتظرون منا شيئاً. كنا في الماضي نقول لهم غداً حينما تنتهي الحرب. فها الحرب قد انتهت والحمد لله. الا نقدر ان نشتري لهم بعض الهدايا الصغيرة..»
فاجاب وهو يتنهد «نعم الحرب انتهت لكن الغلا لم ينته، فاني اكاد ان لا احصل لهم على ما يحتاجون اليه من ضروريات الحياة. وانت تعلمين الحالة. اني لا اقامر ولا ادخن ولا اشرب. ربما اقدر ان اشتري لهم بعض الهدايا اذا قبضت اجرتي.» ثم قال: «الا تقدرين ان تعملي لهم بعض الحلويات البسيطة في البيت كما كنا نعمل قبل الحرب.»
قالت وهي تفتكر: ربما اقدر اذا وزعت لنا الاعاشة بعض السكر فيمكنني ان اعمل خمس «معمولات» حلو. قال لها: «هذا الف خير، خمس اقراص معمول وخمس صحون شوربا، الف الف خير، يعني ان لا احداً يبقى منا بدون طعام. عليهم ايتها العزيزة ان العطاء افضل من الاخذ». قالت وهي تضحك وكيف اعلمهم العطاء وليس لهم ما يعطون، قال: عليهم ان يشكروا الله اننا لسنا بحاجة الى اخذ، ونقدر ان نقاسم غيرنا مما عندنا من الزاد. قال هذا، وحمل فأسه وودع امرأته وذهب. واخذ الاولاد يساعدون الام بتنظيف البيت والاستعداد
للعيد. ووصل الاب الى الحقل واخذ يشتغل به. واذ سمع صوت طفل يشن ويستغيث، انصت اولاً فلم يهتد الى جهة الصوت واستأنف عمله، وزاد الانين واقترب الصوت، فالتفت واذا بولد صغير يبكي ويقول «جوعان بردان» فقال ابو فؤاد وقد ترك فأسه واقترب اليه: «لماذا انت هنا في هذه البرية ايها الولد، أليس لك اهل؟» اجاب «اني يتيم والذين يربونني يسيئون الي ويعاملونني بقسوة، فقد اشتروا هدايا لاولادهم وثياباً جديدة للعيد، ولم يشتروا لي شيئاً، وقد حُرمت كل شيء: حرمت حنو الوالدين والالعاب وثياب العيد، فهمتُ على وجهي هارباً». ففتح ابو فؤاد كيس الزاد وناوله قسماً منه فشكره الولد، ثم قال «واني بردان». فوضع عليه عباءته. واخذ يحفر الارض وهو يفتكر. ولما مالت الشمس الى المغيب حمل ابو فؤاد فأسه وهم بالرجوع الى البيت، واقترب من الولد ليأخذ عباءته فقال الولد: «اتركني هنا وحدي اني اموت برداً» فكر هنيهة ثم قال: «كيف اتركك وحدك ايها الصغير اني آخذك معي» قال هذا ووضعه على ظهره وغطاه بالعباءة وتوجه الى البيت يمشي الهوينا وهو مطرق يفتكر. واسرع الاولاد عندما رأوا الوالد آتياً وعلى ظهره حملاً مغطى ظنوه مملوءاً بهدايا العيد. ولما اقترب منهم صرخوا معاً هل جلبت لنا يا بابا هدايا العيد؟
قال وهو يبتسم نعم جلبت لكم
هدية جميلة، وانزل الحمل وكشف العباءة، فصرخ الاولاد أهذه هديتنا. وقالت اختهم «ما اجمله من هدية انه ولد جميل، أهو لنا يا بابا» اجاب كله لكم. واذا بام فؤاد تدخل وتنظر الى زوجها باندهاش وشيء من الغضب: أهذه الهدية التي جلبتها للاولاد؟ أنا في حاجة الى ولد رابع لاربيه في مثل هذا الوقت؟. فقال ابو فؤاد بلهجة الاسترحام وجدته تائهاً: أنتركه في مثل هذه الليلة الباردة؟ الله يدبر يا امرأة. قالت وهي تنظر اليه: «كيف ادبر له طعاماً وليس لدي الا ما يكفي خمسة اشخاص» فتقدمت منها البنت وقالت «يا امي اعطيه حصتي من الطعام فانا لا أضام اذا بقيت مرة بدون غذاء». وقالت الام «واين انومه وليس عندي فراش والليلة شديدة البرد» فتقدم الصغير وقال: «يا امي انا اعطيه فراشي وانام هذه الليلة قرب الموقد فلا يضرني النوم مرة على الحصير».
نامت العائلة ونام فؤاد قرب الموقد وهو يفتكر بالولد الصغير.
واستيقظ نصف الليل ليرى اذا كان الولد مغطى فلم يجده في مكانه. ايقظ اخوته ووالديه واخذ الجميع يبحثون عنه وفتحوا الباب ليروا اين ذهب فابصروا نوراً يلمع وسط الغيوم القريبة وصوت حمله الهواء يقول: «كنت غريباً فأويتموني، عرياناً فكسوتموني، مريضاً فزرتموني، محبوساً فاتيتم اليّ. الحق اقول لكم بما انكم فعلتم هذا باخوتي الاصاغر في فعلتم». ثم اتى الصوت ثانية أكثر وضوحاً: اما اليتيم فلا تقهر...... «كلكم عيال الله، واحبهم اليه انفعهم لعياله».