
انها ليلة عيد الميلاد ! ونظرت إلى جدران غرفتي العارية ثم حولت نظري إلى المقعد ذي الغطاء البالي ، ثم إلى الطاولة التي انتشرت عليها بعض الكتب والاوراق ، وبعدها إلى السرير الذي يغطيه حرام قديم ، فقد اصبح مع الزمن خليلاً رقيقاً ، ولما جاء دور المرآة ذات الاطار الخشبي المقشر ، عكست ايضاً وجهاً شاحباً متعباً .
وعاد الصوت الشامت يرن في اذني « انت وحيدة ... وحيدة ! لا تحاولي ان تتأملي أثاث غرفتك القديم ، لتنسي وحدتك » .
وعندها زجرت دموعي بعنف وشدة ، وعزمت أن اواجه الصوت . « نعم انا وحيدة ولكن أهو ذنب ام اساءة ان كان المرء وحيداً ؟ وعلى كل حال فالوحدة ليست امراً جديداً علي . فها هو العام الثاني يزمع على الانقضاء ، وبانقضائه يكون قد مرّ على وحدتي عامان كاملان . فلماذا تجدين صوتك عالياً ايتها الحقيقة في ليلة الميلاد ؟
لقد قلت لك مراراً أنا لا أبالي الوحدة بل انها تجعني وانا اقتحم مملكتها الصامتة ، أحس بشيء من البطولة والمغامرة . انا لا انكر ان بها شيئاً من الكآبة واليأس ، ولكنها كآبة جميلة ، شبيهة بشعاع القمر الذي يقتحم ظلام الغابات . «
وقال لي الصوت « نعم ! هذا كلام جري ومعقول . ولكن الامر في ليلة الميلاد مغاير لهذا . فاي عائلة لا تجتمع في العيد لتقسم وتوزع الهدايا على الاطفال ؟ واي قلب مهما كانت عقيدته لا يملكه شعور العيد وجو العيد بل رائحة العيد ؟ وهناك في الفنادق الفخمة ، تعزف الموسيقى وتتألق الانوار ، وتعبق العطور ويرقص القوم . بل انظري من النافذة ، لتبصري الشوارع المضاءة ، والدكاكين المزينة ، والسيارات الفخمة تنساب فيها .
وفي الكنائس ترتفع الصلوات ، واجواق الترتيل ، فيشعر الناس بعظمة الذكرى وفرح الخلاص ، ومع الترانيم الميلادية تنساب ذكريات وأجواء قديمة عن اقوام من الناس ، كانوا في يوم من الايام يرتلون وينشدون نفس هذه الترانيم . قلت لك ان للعيد عبيراً خاصاً ، عبيراً قديماً ممزوجاً برائحة الصنوبر والشموع ، وله ايضا جو خاص ، تميزه الثلوج المتساقطة ،
والرياح العاصفة والامطار المنهمرة ، وهذا كله يستولي على الناس في ليلة الميلاد ، فيذعنون بغبطة وسرور لسلطان العيد ، حتى الملائكة في السماء تقيم أفراحاً ، وترسل الشدو الجميل . وأنت ... وانت وحيدة «
وقلت للصوت : «انت تعلم جيداً ان كل هذا لا يهمني ، ولكنك تضرب على وتر حسّاس حين تشير إلى الحياة العائلية . فقلبي يلتهب حين اذكر والدي اللذين يرقدان الآن في المقبرة البعيدة خارج المدينة ، بل ان نفسي ترتعش حين اذكر الريح التي تهب عند القبر ، فيميل الشجر العاتي بعنف وشدة ، وكأنما هو يحنو على القبر الذي احببته بكل ما في نفسي من مقدرة على الحب . ولكن اسمع ايها الصوت ! فانت لن تنال مني بالرغم من كل هذا فقد علمتني امي أن شفقة النفس هي أسوأ انواع الشفقة ... هي أنانية سلبية ... وأنا لن ابكي ، ولن انتحب مع اني اشعر بميل شديد للدموع » . وقرع الباب ...
ولما فتحت الباب كانت جارتي جميلة واقفة أمامي ، وكأنما هي نموذج لاحدى مظاهر العيد :
« من ؟ جميلة تفضلي ! »
وانسابت جارتي بثوبها السواري ، ومعطفها من الفرو الثمين ، ترافقها رائحة « الجويا » القوية وقالت جارتي باستغراب : - « ماذا ؟ ألم تلبسي ثيابك بعد ؟ ألست ذاهبة إلى مكان ما ؟» ولست أدري ما الذي دفعني إلى القول « لقد عدت متأخرة من المكتب ولم اباشر بعد لبس ثيابي «
« والى اين ستذهبين ؟ » .
« آه ... ستمر بي بعض فتيات النادي وسنذهب معاً إلى قاعة النادي حيث ستقام حفلة بسيطة تحت رعاية القس سليم وزوجته .
ووقفت جارتي أمام مرآتي القديمة ونظرت إلى وجهها ، ولاحظت بدوري العناية الفائقة التي بذلتها صديقتي في تزيين نفسها ثم التفتت وقالت بضجر : « لماذا تأخر أخي اسعد . فندق الامل سيكون على أبهى مظهر الليلة .
ولكن ... ناديا أأفشي لك سراً ؟ اتعلمين من عاد مؤخراً من أمريكا ؟
« من ؟ »
« الدكتور كمال السعيد » .
ولما لم يبد في وجهي أي تأثر لهذا النبأ المهيج أضافت جارتي قائلة :
« أنت لا تعرفين الدكتور كمال ؟ » .
« لا »
« آه ... هي الطامة ، ثري ... ابن عائلة ... مفرط الذكاء ، وقد سافر من عامين إلى أمريكا ليختص بالامراض العصبية ، وقد قالت لي احدى صديقاتي انه ربما يحضر الحفلة الراقصة في فندق الامل . ولكن ها اني اسمع هاتف سيارة اخي . وداعاً يا عزيزتي ! اتمنى لك وقتاً طيباً . »
« وداعاً » واغلق الباب ، وانسابت آخر هبات رائحة الجويا .
وجلست . آه ! لماذا قدمت ؟ ألتعكر علي صفو ذكرياتي ؟؟ وهنا تملك طيف أمي وهي تعاتبني لتعلقي الشديد بالحزن والكآبة . وبعد لحظات رأيتني ألبس ثيابي وانزل إلى الشارع ، وكانت الانوار تتوهج فيه فكأنما الساعة وضح النهار ، أما الطقس فكان شديد البرودة ، وان كانت السماء صافية .
إلى أين سأذهب ؟ وسرت في الطريق العام حتى وصلت إلى مفترق الطرق ، وانا اسمع الترانيم الميلادية تتجاوب أصداؤها في كل مكان من محطات الاذاعة ، وتذكرت عجوزاً مسنة تعيش عند منعطف الشارع الذي وقفت قبالته . « آه ... انا أذكرها من أيام مدرسة الأحد ، فقد كانت تأتي كل احد وهي تحمل عصا وكيساً من المخمل الاخضر المُعلّم ، وقد وضعت على رأسها طاقية من الدانتيل الكثيف ، كثيراً ما كانت تثير ضحكتنا ونحن صغار ، ولكن العجوز لم تعد مع الزمن تستطيع التعليم في مدرسة الأحد ، فكنت اقوم انا بالتعليم عنها ، ولكن هيئة المدرسة كانت تذكرها في المناسبات ، فتختار المعلمة طالباً وطالبة ليذهبا مع القس والمعلمة ليقدموا هدية للسيدة حنة . وسألت مرة عن تاريخ حياتها فقالوا لي انها تزوجت من زمان ، ولم يرزقها الله ولداً . ثم توفي زوجها وعاشت وحيدة .
« وحيدة » وارتجفت من الكلمة وانا اسير نحو بيتها .
وقرعت الباب ، وسمعت صوتها الجميل
« من ؟ »
« ناديا » ومرّ وقت طويل حتى فتحت لي الباب « من ؟ »
فقلت ثانية « انا ناديا »
« آه ... ناديا » جميل منك ان تزوريني في ليلة الميلاد ، بل اني في الواقع لم اكن انتظر ذلك منك .